< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الرواية.
* *
فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب، لإجماع الحجة من القراء عليها. فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويلُ من قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم، أو تناجوه بينهم.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله: ﴿ليستخفوا منه﴾ ، بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله، ﴿منه﴾ ، عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمّدٍ ذكر قبلُ، فيجعل من ذكره ﷺ وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك، كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صحّ أن ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم لم يحدِّثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله، إلا بجهلهم به. فأخبرهم جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرُّ أمورهم وعلانيتها على أيّ حالٍ كانوا، تغشَّوا بالثياب، أو أظهروا بالبَرَاز، [[" البراز " (بفتح الباء) : الفضاء البعيد الواسع، ليس فيه شجر ولا ستر.]]
فقال: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾ ، يعني: يتغشَّون ثيابهم، يتغطونها ويلبسون.
* *
يقال منه: "استغشى ثوبه وتغشّاه"، قال الله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [سورة نوح: ٧] ، وقالت الخنساء:
أَرْعَى النُّجُومَ وَمَا كُلِّفْتُ رِعْيَتِهَا ... وَتَارَةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي [[ديوانها: ١٠٩، من شعرها في مراثي أخيها صخر، تقول قبله: إنِّي أَرِقْتُ فبِتُّ اللَّيْلَ سَاهِرَةً ... كَأَنَّمَا كٌحِلَتْ عَيْنِي بِعُوَّارِ
" العوار " القذى. وقولها: " أرعى النجوم "، تراقبها، من غلبة الهم عليها ليلا، فهي ساهرة تأنس بتطويح البصر في السماوات. و " الأطمار "، أخلاق الثياب. تقول: طال حدادها وحزنها، فلا تبالي أن يكون لها جديد، فهي في خلقان ثيابها، فإذا طال سهرها وغلبها ما غلبها، تغطت بأطمارها فعل الحزين، وبكت أو انطوت على أحزانها.]]
* *
= ﴿يعلم ما يسرون﴾ ، يقول جل ثناؤه: يعلم ما يسرُّ هؤلاء الجهلة بربهم، الظانُّون أن الله يخفى عليه ما أضمرته صدورهم إذا حنوها على ما فيها، وثنوها، وما تناجوه بينهم فأخفوه [[انظر تفسير " الإسرار " فيما سلف: ١٠٣.]] = ﴿وما يعلنون﴾ ، سواء عنده سرائرُ عباده وعلانيتهم = ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه، من إيمان وكفر، وحق وباطل، وخير وشر، وما تستجنُّه مما لم تُجنُّه بعدُ، [[انظر تفسير " ذات الصدور " فيما سلف ١٣: ٥٧٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:-
١٧٩٥٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾ ، يقول: يغطون رءوسهم.
* *
قال أبو جعفر، فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم وأنتم مضمرون في صُدُوركم الشكّ في شيء من توحيده أو أمره أو نهيه، أو فيما ألزمكم الإيمان به والتصديق، فتهلكوا باعتقادكم ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ، وما تدبّ دابّة في الأرض.
* *
و"الدابّة" "الفاعلة"، من دبّ فهو يدبّ، وهو دابٌّ، وهي دابّة. [[انظر تفسير " الدابة " فيما سلف ١٤: ٢١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
﴿إلا على الله رزقها﴾، يقول: إلا ومن الله رزقها الذي يصل إليها، هو به متكفل،