< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مُتَوَجِّهًا إِلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وَقَوْلٌ ثَالِثٌ- إِنَّهُ الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهُمْ عَنْهُ وَالْخَبَرُ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَيَكُونُ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْفَرِيقَيْنِ مَعًا مِنَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وبني إسرائيل. وفي قوله: "بَلؤُا مُبِينٌ" أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا- نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾[[آية ١٧ سورة الأنفال.]] [الأنفال: ١٧]. وَقَالَ زُهَيْرٌ:

فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو»

الثاني- عذاب شديد، قاله الفراء. الثالث- اختيار يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ، قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ابْتِلَاؤُهُمْ بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾[[آية ٣٥ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٣٥].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ "إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى " ابْتِدَاءٌ وخبر، مثل ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[[آية ١٥٥ سورة الأعراف.]] [الأعراف: ١٥٥]، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا﴾[[آية ٢٩ سورة الانعام.]] [المؤمنون: ٣٧] "وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ" أَيْ بِمَبْعُوثِينَ. "فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَوْتَى فَنُشِرُوا. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١١ ص (٢٧٨)]]. وَالْمَنْشُورُونَ الْمَبْعُوثُونَ. قِيلَ: إِنَّ قَائِلَ هَذَا مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ أَبُو جَهْلٍ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي قَوْلِكَ فَابْعَثْ لَنَا رَجُلَيْنِ مِنْ آبَائِنَا، أَحَدُهُمَا- قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَادِقًا، لِنَسْأَلَهُ عَمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ مِنْ أَضْعَفِ الشُّبُهَاتِ، لِأَنَّ الْإِعَادَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْجَزَاءِ لَا لِلتَّكْلِيفِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي إِعَادَتِهِمْ لِلْجَزَاءِ فَأَعِدْهُمْ لِلتَّكْلِيفِ. وَهُوَ كَقَوْلِ قَائِلٍ: لَوْ قَالَ إِنْ كَانَ يَنْشَأُ بَعْدَنَا قَوْمٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ، فَلِمَ لَا يَرْجِعُ مَنْ مَضَى مِنَ الْآبَاءِ، حَكَاهُ الماوردي. ثم قيل: "فَأْتُوا بِآبائِنا" مخاطبة وللنبي ﷺ وَحْدَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾[[آية ٩٩ سورة المؤمنون.]] [المؤمنون: ٩٩] قاله الفراء. وقيل: مخاطبة له ولاتباعه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، أَيْ إِنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْعَذَابَ، إِذْ لَيْسُوا خَيْرًا مِنْ قَوْمِ تُبَّعٍ وَالْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ، وَإِذَا أَهْلَكْنَا أُولَئِكَ فَكَذَا هَؤُلَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَهُمْ أَظْهَرُ نِعْمَةً وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ. وَقِيلَ: أَهُمْ أَعَزُّ وَأَشَدُّ وَأَمْنَعُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتُبَّعٍ رَجُلًا وَاحِدًا بَلِ الْمُرَادُ بِهِ مُلُوكُ الْيَمَنِ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ مُلُوكَهُمُ التَّبَابِعَةَ. فَتُبَّعٌ لَقَبٌ لِلْمَلِكِ مِنْهُمْ كَالْخَلِيفَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكِسْرَى لِلْفُرْسِ، وَقَيْصَرَ لِلرُّومِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم تبعا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالتَّبَابِعَةُ مُلُوكُ الْيَمَنِ، وَاحِدُهُمْ تُبَّعٌ. وَالتُّبَّعُ أَيْضًا الظِّلُّ، وَقَالَ: يَرِدُ الْمِيَاهَ حَضِيرَةً وَنَفِيضَةً ... وِرْدَ الْقَطَاةِ إِذَا اسْمَأَلَّ التُّبَّعُ [[البيت لسعدي- وقيل لسلمى- الجهنية ترثي أخاها أسعد. والحضيرة والنقيضة: جماعة القوم، وقيل: النفر يغزي بهم. وقيل غير هذا. وأسمال الظل: قصر وضمر، وذلك عند نصف النهار.]]

وَالتُّبَّعُ أَيْضًا ضَرْبٌ مِنَ الطَّيْرِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: تُبَّعٌ اسْمٌ لِكُلِّ مَلِكٍ مَلَكَ الْيَمَنَ وَالشِّحْرَ وَحَضْرَمَوْتَ، وَإِنْ مَلَكَ الْيَمَنَ وَحْدَهَا لَمْ يُقَلْ لَهُ تُبَّعٌ، قَالَهُ الْمَسْعُودِيُّ. فَمِنَ التبابعة: الحارث الرائش، هو ابْنُ هَمَّالٍ ذِي سُدَدٍ [[وردت هذه الأسماء محرفة.]]. وَأَبْرَهَةُ ذُو الْمَنَارِ. وَعَمْرٌو ذُو الْأَذْعَارِ. وَشِمْرُ بْنُ مَالِكٍ، الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ سَمَرْقَنْدُ. وَأَفْرِيقِيسُ بْنُ قَيْسٍ، الَّذِي سَاقَ الْبَرْبَرَ إِلَى أَفْرِيقِيَّةَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَبِهِ سُمِّيَتْ إِفْرِيقِيَّةُ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَاتِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَرَادَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهُ بِهَذَا الِاسْمِ أَشَدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَلَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ أَمْ لَا). ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ