< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الأرْضِ والسَّماواتِ [وهَذِهِ هي المَسْألَةُ الأُولى] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ ونَظِيرُها قَوْلُهُ: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾[الأنْبِياءِ: ٢٧] وفِيها دَقِيقَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: مَأْذُونِينَ بَلْ قالَ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَتَصَرَّفُونَ تَصَرُّفًا ما إلّا بِإذْنِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ إنْ خَرَجْتِ إلّا بِإذْنِي، فَإنَّهُ يُعْتَبَرُ الإذْنُ في كُلِّ خَرْجَةٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ يُفِيدُ تَعْظِيمًا لِلْمَلائِكَةِ وتَحْقِيرًا لِلْعُصاةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كانُوا لِي فَكُنْتُ لَهم، ونَظِيرُهُ في حَقِّنا: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾[يُونُسَ: ٣] وقالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾[ص: ٧١] ونَظِيرُهُ ما رُوِيَ أنَّ داوُدَ لَمّا مَرِضَ مَرَضَ المَوْتِ قالَ: إلَهِي كُنْ لِسُلَيْمانَ كَما كُنْتَ لِي، فَنَزَلَ الوَحْيُ وقالَ: قُلْ لِسُلَيْمانَ فَلْيَكُنْ لِي كَما كُنْتَ لِي، ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ فَقَدَ الضَّيْفَ أيّامًا فَخَرَجَ بِالسُّفْرَةِ لِيَلْتَمِسَ ضَيْفًا فَإذا بِخَيْمَةٍ، فَنادى أتُرِيدُونَ الضَّيْفَ ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ لِلْمُضِيفِ: أيُوجَدُ عِنْدَكَ إدامُ لَبَنٍ أوْ عَسَلٍ ؟ فَرَفَعَ الرَّجُلُ صَخْرَتَيْنِ فَضَرَبَ إحْداهُما بِالأُخْرى فانْشَقّا فَخَرَجَ مِن إحْداهُما اللَّبَنُ ومِنَ الأُخْرى العَسَلُ، فَتَعَجَّبَ إبْراهِيمُ وقالَ: إلَهِي أنا خَلِيلُكَ ولَمْ أجِدْ مِثْلَ ذَلِكَ الإكْرامِ، فَما لَهُ ؟ فَنَزَلَ الوَحْيُ يا خَلِيلِي كانَ لَنا فَكُنّا لَهُ.

* *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ فَمَعْناهُ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ، والمَعْنى أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم إنَّما نَزَلَ لِمُهِمٍّ آخَرَ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهم كانُوا في أشْغالٍ كَثِيرَةٍ فَبَعْضُهم لِلرُّكُوعِ وبَعْضُهم لِلسُّجُودِ، وبَعْضُهم بِالدُّعاءِ، وكَذا القَوْلُ في التَّفَكُّرِ والتَّعْلِيمِ، وإبْلاغِ الوَحْيِ، وبَعْضُهم لِإدْراكِ فَضِيلَةِ اللَّيْلَةِ أوْ لِيُسَلِّمُوا عَلى المُؤْمِنِينَ.

وثانِيها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قُدِّرَ في تِلْكَ السَّنَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُزُولَهم إنَّما كانَ عِبادَةً، فَكَأنَّهم قالُوا: ما نَزَلْنا إلى الأرْضِ لِهَوى أنْفُسِنا، لَكِنْ لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ فِيهِ مَصْلَحَةُ المُكَلَّفِينَ، وعَمَّ لَفْظُ الأمْرِ لِيَعُمَّ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيانًا مِنهُ أنَّهم يَنْزِلُونَ بِما هو صَلاحُ المُكَلَّفِ في دِينِهِ ودُنْياهُ كَأنَّ السّائِلَ يَقُولُ: مِن أيْنَ جِئْتَ ؟ فَيَقُولُ: ما لَكَ وهَذا الفُضُولُ، ولَكِنْ قُلْ: لِأيِّ أمْرٍ جِئْتَ لِأنَّهُ حَظُّكَ.

وثالِثُها: قَرَأ بَعْضُهم: ”مِن كُلِّ امْرِئٍ“ أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ، ورُوِيَ أنَّهم لا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةً إلّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ، قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ تُقَسَّمُ الآجالُ والأرْزاقُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، والآنَ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَيْلَةَ القَدْرِ ؟ قُلْنا: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ المَقادِيرَ في لَيْلَةِ البَراءَةِ، فَإذا كانَ لَيْلَةُ القَدْرِ يُسَلِّمُها إلى أرْبابِها» “ وقِيلَ: يُقَدِّرُ لَيْلَةَ البَراءَةِ الآجالَ والأرْزاقَ، ولَيْلَةَ القَدْرِ يُقَدِّرُ الأُمُورَ الَّتِي فِيها الخَيْرُ والبَرَكَةُ والسَّلامَةُ، وقِيلَ: يُقَدِّرُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ إعْزازُ الدِّينِ، وما فِيهِ النَّفْعُ العَظِيمُ لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا لَيْلَةَ البَراءَةِ فَيُكْتَبُ فِيها أسْماءُ مَن يَمُوتُ ويُسَلَّمُ إلى مَلَكِ المَوْتِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: مِن فَضائِلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ﴾ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ سَلامٌ أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُطِيعِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ فَوْجًا فَوْجًا مِنِ ابْتِداءِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ فَتَرادَفَ النُّزُولُ لِكَثْرَةِ السَّلامِ.

وثانِيها: وُصِفَتِ اللَّيْلَةُ بِأنَّها سَلامٌ، ثُمَّ يَجِبُ أنْ لا يُسْتَحْقَرَ هَذا السَّلامُ لِأنَّ سَبْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ