< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ويَجْتَمِعُ نُورُ المَلائِكَةِ ونُورُ جَناحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيُقِيمُ جِبْرِيلُ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ بَيْنَ الشَّمْسِ وسَماءِ الدُّنْيا يَوْمَهم ذَلِكَ مَشْغُولِينَ بِالدُّعاءِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِغْفارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِمَن صامَ رَمَضانَ احْتِسابًا، فَإذا أمْسَوْا دَخَلُوا سَماءَ الدُّنْيا فَيَجْلِسُونَ حِلَقًا حِلَقًا فَتُجْمَعُ إلَيْهِمْ مَلائِكَةُ السَّماءِ فَيَسْألُونَهم عَنْ رَجُلٍ رَجُلٍ وعَنِ امْرَأةٍ امْرَأةٍ، حَتّى يَقُولُوا: ما فَعَلَ فُلانٌ وكَيْفَ وجَدْتُمُوهُ ؟ فَيَقُولُونَ: وجَدْناهُ عامَ أوَّلٍ مُتَعَبِّدًا، وفي هَذا العامِ مُبْتَدِعًا، وفُلانٌ كانَ عامَ أوَّلٍ مُبْتَدِعًا، وهَذا العامَ مُتَعَبِّدًا، فَيَكُفُّونَ عَنِ الدُّعاءِ لِلْأوَّلِ، ويَشْتَغِلُونَ بِالدُّعاءِ لِلثّانِي، ووَجَدْنا فُلانًا تالِيًا، وفُلانًا راكِعًا، وفُلانًا ساجِدًا، فَهم كَذَلِكَ يَوْمَهم ولَيْلَتَهم حَتّى يَصْعَدُوا السَّماءَ الثّانِيَةَ وهَكَذا يَفْعَلُونَ في كُلِّ سَماءٍ حَتّى يَنْتَهُوا إلى السِّدْرَةِ. فَتَقُولُ لَهُمُ السِّدْرَةُ: يا سُكّانِي حَدِّثُونِي عَنِ النّاسِ فَإنَّ لِي عَلَيْكم حَقًّا، وإنِّي أُحِبُّ مَن أحَبَّ اللَّهَ، فَذَكَرَ كَعْبٌ أنَّهم يَعُدُّونَ لَها الرَّجُلَ والمَرْأةَ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ، ثُمَّ يَصِلُ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى الجَنَّةِ، فَتَقُولُ الجَنَّةُ: اللَّهُمَّ عِجِّلْهم إلَيَّ، والمَلائِكَةُ، وأهْلُ السِّدْرَةِ يَقُولُونَ: آمِينَ آمِينَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ، كُلَّما كانَ الجَمْعُ أعْظَمَ، كانَ نُزُولُ الرَّحْمَةِ هُناكَ أكْثَرَ، ولِذَلِكَ فَإنَّ أعْظَمَ الجُمُوعِ في مَوْثِقِ الحَجِّ، لا جَرَمَ كانَ نُزُولُ الرَّحْمَةِ هُناكَ أكْثَرَ، فَكَذا في لَيْلَةِ القَدْرِ يَحْصُلُ مَجْمَعُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَلا جَرَمَ كانَ نُزُولُ الرَّحْمَةِ أكْثَرَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الرُّوحِ أقْوالًا:

أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ عَظِيمٌ، لَوِ التَقَمَ السَّماواتِ والأرَضِينَ كانَ ذَلِكَ لَهُ لُقْمَةً واحِدَةً.

وثانِيها: طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ إلّا لَيْلَةَ القَدْرِ، كالزُّهّادِ الَّذِينَ لا نَراهم إلّا يَوْمَ العِيدِ.

وثالِثُها: خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَأْكُلُونَ ويَلْبَسُونَ لَيْسُوا مِنَ المَلائِكَةِ، ولا مِنَ الإنْسِ، ولَعَلَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ.

ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ اسْمُهُ، ثُمَّ إنَّهُ يَنْزِلُ في مُواقَفَةِ المَلائِكَةِ لِيَطَّلِعَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.

وخامِسُها: أنَّهُ القُرْآنُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾[الشُّورى: ٥٢] .

وسادِسُها: الرَّحْمَةُ

صفحة ٣٤

قُرِئَ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾[يُوسُفَ: ٨٧] بِالرَّفْعِ كَأنَّهُ تَعالى، يَقُولُ: المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ ورَحْمَتِي تَنْزِلُ في أثَرِهِمْ فَيَجِدُونَ سَعادَةَ الدُّنْيا وسَعادَةَ الآخِرَةِ.

وسابِعُها: الرُّوحُ أشْرَفُ المَلائِكَةِ.

وثامِنُها: عَنْ أبِي نَجِيحٍ: الرُّوحُ هُمُ الحَفَظَةُ والكِرامُ الكاتِبُونَ فَصاحِبُ اليَمِينِ يَكْتُبُ إتْيانَهُ بِالواجِبِ، وصاحِبُ الشِّمالِ يَكْتُبُ تَرْكَهُ لِلْقَبِيحِ، والأصَحُّ أنَّ الرُّوحَ هَهُنا جِبْرِيلُ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ شَرَفِهِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: المَلائِكَةُ في كِفَّةٍ والرُّوحُ في كِفَّةٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُشْتاقِينَ إلَيْنا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْغَبُونَ إلَيْنا مَعَ عِلْمِهِمْ بِكَثْرَةِ مَعاصِينا ؟ قُلْنا: إنَّهم لا يَقِفُونَ عَلى تَفْصِيلِ المَعاصِي رُوِيَ أنَّهم يُطالِعُونَ اللَّوْحَ، فَيَرَوْنَ فِيهِ طاعَةَ المُكَلَّفِ مُفَصَّلَةً، فَإذا وصَلُوا إلى مَعاصِيهِ أُرْخِيَ السِّتْرُ فَلا تَرَوْنَها، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ: سُبْحانَ مَن أظْهَرَ الجَمِيلَ، وسَتَرَ عَلى القَبِيحِ، ثُمَّ قَدْ ذَكَرْنا فَوائِدَ في نُزُولِهِمْ ونَذْكُرُ الآنَ فَوائِدَ أُخْرى وحاصِلُها أنَّهم يَرَوْنَ في الأرْضِ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ أشْياءَ ما رَأوْها في عالَمِ السَّماواتِ:

أحَدُها: أنَّ الأغْنِياءَ يَجِيئُونَ بِالطَّعامِ مِن بُيُوتِهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ ضِيافَةً لِلْفُقَراءِ والفُقَراءُ يَأْكُلُونَ طَعامَ الأغْنِياءِ ويَعْبُدُونَ اللَّهَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الطّاعَةِ لا يُوجَدُ في السَّماواتِ.

وثانِيها: أنَّهم يَسْمَعُونَ أنِينَ العُصاةِ وهَذا لا يُوجَدُ في السَّماواتِ.

وثالِثُها: «أنَّهُ تَعالى قالَ: ”لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ»“ فَقالُوا: تَعالَوْا نَذْهَبْ إلى الأرْضِ فَنَسْمَعْ صَوْتًا هو أحَبُّ إلى رَبِّنا مِن صَوْتِ تَسْبِيحِنا، وكَيْفَ لا يَكُونُ أحَبَّ وزَجَلُ المُسَبِّحِينَ إظْهارٌ لِكَمالِ حالِ المُطِيعِينَ، وأنِينُ العُصاةِ إظْهارٌ لِغَفّارِيَّةِ رَبِّ