< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah087
Al-A'laa (87)
The Most High, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والعَدَمِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَما دامَ القادِرُ يَبْقى بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِها وتَرْكِها عَلى السَّوِيَّةِ امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ، فَإذا تَرَجَّحَ جانِبُ الفاعِلِيَّةِ عَلى جانِبِ التّارِكِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الفِعْلُ، فَثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ ما لَمْ يَجِبْ لَمْ يُوجَدْ، وذَلِكَ الرُّجْحانُ هو المُسَمّى بِالتَّيْسِيرِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّحْقِيقِ هو أنَّ الفاعِلَ يَصِيرُ مُيَسَّرًا لِلْفِعْلِ، لا أنَّ الفِعْلَ يَصِيرُ مُيَسَّرًا لِلْفاعِلِ، فَسُبْحانَ مَن لَهُ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ حِكْمَةٌ خَفِيَّةٌ وسِرٌّ عَجِيبٌ يُبْهِرُ العُقُولَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ بِنُونِ التَّعْظِيمِ لِتَكُونَ عَظَمَةُ المُعْطِي دالَّةً عَلى عَظَمَةِ العَطاءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾[الحجر: ٩]﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾[الكوثر: ١] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فَتَحَ عَلَيْهِ مِن أبْوابِ التَّيْسِيرِ والتَّسْهِيلِ ما لَمْ يَفْتَحْهُ عَلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وكَيْفَ لا وقَدْ كانَ صَبِيًّا لا أبَ لَهُ ولا أُمَّ لَهُ نَشَأ في قَوْمٍ جُهّالٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ قُدْوَةً لِلْعالَمِينَ، وهَدْيًا لِلْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾
فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَفَّلَ بِتَيْسِيرِ جَمِيعِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أمَرَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، لِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ في أنْ يَتَخَلَّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، فَلَمّا صارَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تامًّا بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ فَوْقَ التَّمامِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: (فَذَكِّرْ) لِأنَّ التَّذْكِيرَ يَقْتَضِي تَكْمِيلَ النّاقِصِينَ وهِدايَةَ الجاهِلِينَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ فَيّاضًا لِلْكَمالِ، فَكانَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ١٣١
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُذَكِّرَهم سَواءٌ نَفَعَتْهُمُ الذِّكْرى أوْ لَمْ تَنْفَعْهم، فَما المُرادُ مِن تَعْلِيقِهِ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُعَلَّقَ بِـ ”إنْ“ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها هَذِهِ الآيَةُ ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾[النور: ٣٣] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[البقرة: ١٧٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾[النساء: ١٠١] فَإنَّ القَصْرَ جائِزٌ وإنْ لَمْ يُوجَدِ الخَوْفُ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ﴾[البقرة: ٢٨٣] والرَّهْنُ جائِزٌ مَعَ الكِتابَةِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾[البقرة: ٢٣٠] والمُراجَعَةُ جائِزَةٌ بِدُونِ هَذا الظَّنِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ ذَكَرُوا لِذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ فَوائِدَ:
إحْداها: أنَّ مَن باشَرَ فِعْلًا لِغَرَضٍ فَلا شَكَّ أنَّ الصُّورَةَ الَّتِي عُلِمَ فِيها إفْضاءُ تِلْكَ الوَسِيلَةِ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ كانَ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ أوْجَبَ مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي عُلِمَ فِيها عَدَمُ ذَلِكَ الإفْضاءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أشْرَفَ الحالَتَيْنِ، ونَبَّهَ عَلى الأُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والتَّقْدِيرُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أوْ لَمْ تَنْفَعْ.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ البَعْثُ عَلى الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى، كَما يَقُولُ المَرْءُ لِغَيْرِهِ إذا بَيَّنَ لَهُ الحَقَّ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ فَيَكُونُ مُرادُهُ البَعْثَ عَلى القَبُولِ والِانْتِفاعِ بِهِ.
ورابِعُها: أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى تَنْبِيهِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: ادْعُ فُلانًا إنْ أجابَكَ، والمَعْنى: وما أراهُ يُجِيبُكَ.
وخامِسُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعاهم إلى اللَّهِ كَثِيرًا، وكُلَّما كانَتْ دَعْوَتُهُ أكْثَرَ كانَ عُتُوُّهم أكْثَرَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَحَرَّقُ حَسْرَةً عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾[ق: ٤٥]