< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah087
Al-A'laa (87)
The Most High, makkah, 19 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾[الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ وقالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أشْرَكَ البَتَّةَ، وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ لا مِن قُوَّتِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو المُسْتَثْنى، فَلا جَرَمَ كانَ يُبالِغُ في التَّثَبُّتِ والتَّحَفُّظِ والتَّيَقُّظِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَقاءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى التَّيَقُّظِ في جَمِيعِ الأحْوالِ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ نَفْيَ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أنْتَ سَهِيمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ [ اللَّهُ ]، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ في الحَقِيقَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى، فَإنَّهُ يَنْسى ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإذًا قَدْ يَنْسى ولَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ فَلا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا، رُوِيَ أنَّهُ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ، فَحَسِبَ أُبَيٌّ أنَّها نُسِخَتْ، فَسَألَهُ فَقالَ: نَسِيتُها.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُنْسِيَهُ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الإنْساءِ هَهُنا نُسْخَةً، كَما قالَ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾[البقرة: ١٠٦] فَيَكُونُ المَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ عَلى الأوْقاتِ كُلِّها، فَيَأْمُرُكَ أنْ لا تَقْرَأهُ ولا تُصَلِّيَ بِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنِسْيانِهِ وزَوالِهِ عَنِ الصُّدُورِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ القِلَّةَ والنُّدْرَةَ، ويُشْتَرَطُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ القَلِيلُ مِن واجِباتِ الشَّرْعِ، بَلْ مِنَ الآدابِ والسُّنَنِ، فَإنَّهُ لَوْ نَسِيَ شَيْئًا مِنَ الواجِباتِ ولَمْ يَتَذَكَّرْهُ أدّى ذَلِكَ إلى الخَلَلِ في الشَّرْعِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَهْرِكَ في القِراءَةِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعالِمٌ بِالسِّرِّ الَّذِي في قَلْبِكَ وهو أنَّكَ تَخافُ النِّسْيانَ، فَلا تَخَفْ فَأنا أكْفِيكَ ما تَخافُهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَصالِحِ العَبِيدِ، فَيَنْسَخُ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ المَصْلَحَةَ في النَّسْخِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اليُسْرى هي أعْمالُ الخَيْرِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى اليُسْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ اعْتِراضٌ، والتَّقْدِيرُ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، ونُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أسْهَلُ وأيْسَرُ، يَعْنِي في حِفْظِ القُرْآنِ.
وثانِيها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اليُسْرى الجَنَّةُ، والمَعْنى نُيَسِّرُكَ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلَيْها.
وثالِثُها: نُهَوِّنُ عَلَيْكَ الوَحْيَ حَتّى تَحْفَظَهُ وتَعْلَمَهُ وتَعْمَلَ بِهِ.
ورابِعُها: نُوَفِّقُكَ لِلشَّرِيعَةِ وهي الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ السَّمْحَةُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ العِبارَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ: جُعِلَ الفِعْلُ الفُلانِيُّ مُيَسَّرًا لِفُلانٍ، ولا يُقالُ: جُعِلَ فُلانٌ مُيَسَّرًا لِلْفِعْلِ الفُلانِيِّ فَما الفائِدَةُ فِيهِ هَهُنا ؟ .
الجَوابُ: أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ كَما أنَّها اخْتِيارُ القُرْآنِ في هَذا المَوْضِعِ، وفي سُورَةِ اللَّيْلِ أيْضًا، فَكَذا هي اخْتِيارُ الرَّسُولِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»“ وفِيهِ لَطِيفَةٌ عِلْمِيَّةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ في نَفْسِهِ ماهِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ قابِلَةٌ لِلْوُجُودِ