< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الإحْياءِ، وجاءَ في الأخْبارِ: أنَّ في الصُّورِ ثُقُبًا بِعَدَدِ الأرْواحِ كُلِّها، وأنَّها تُجْمَعُ في تِلْكَ الثُّقُبِ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَيَخْرُجُ عِنْدَ النَّفْخِ مِن كُلِّ ثُقْبَةٍ رُوحٌ إلى الجَسَدِ الَّذِي نُزِعَ مِنهُ فَيَعُودُ الجَسَدُ حَيًّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الصُّورُ مُحْتَوِيًا عَلى آلَتَيْنِ يُنْقَرُ في إحْداهُما ويُنْفَخُ في الأُخْرى، فَإذا نُفِخَ فِيهِ لِلْإصْعاقِ جُمِعَ بَيْنَ النَّقْرِ والنَّفْخِ، لِتَكُونَ الصَّيْحَةُ أهَدَّ وأعْظَمَ، وإذا نُفِخَ فِيهِ لِلْإحْياءِ لَمْ يُنْقَرْ فِيهِ، واقْتُصِرَ عَلى النَّفْخِ، لِأنَّ المُرادَ إرْسالُ الأرْواحِ مِن ثُقُبِ الصُّورِ إلى أجْسادِها، لا تَنْقِيرُها مِن أجْسادِها، والنَّفْخَةُ الأُولى لِلتَّنْقِيرِ، وهو نَظِيرُ صَوْتِ الرَّعْدِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ فَرُبَّما ماتَ سامِعُهُ، والصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَصِيحُها رَجُلٌ بِصَبِيٍّ فَيَفْزَعُ مِنهُ فَيَمُوتُ، هَذا آخَرُ كَلامِ الحَلِيمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولِي فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ النَّقْرُ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ صَيْحَةِ الإصْعاقِ، وذَلِكَ اليَوْمُ غَيْرُ شَدِيدٍ

صفحة ١٧٤

عَلى الكافِرِينَ، لِأنَّهم يَمُوتُونَ في تِلْكَ السّاعَةِ، إنَّما اليَوْمُ الشَّدِيدُ عَلى الكافِرِينَ عِنْدَ صَيْحَةِ الإحْياءِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ، أيْ: يا لَيْتَنا بَقِينا عَلى المَوْتَةِ الأُولى.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاقُورَ هو الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ، أيْ يُنْكَتُ، فَيَجُوزُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ أنْ يُنْفَخَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، نُقِرَ أوَّلًا، فَسُمِّيَ ناقُورًا لِهَذا المَعْنى، وأقُولُ: في هَذا اللَّفْظِ بَحْثٌ، وهو أنَّ النّاقُورَ فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ، كالهاضُومِ ما يُهْضَمُ بِهِ، والحاطُومُ ما يُحْطَمُ بِهِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاقُورُ ما يُنْقَرُ بِهِ لا ما يُنْقَرُ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ هو المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ وصَعُبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ”فَذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ في النّاقُورِ، والتَّقْدِيرُ: فَذَلِكَ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، وأمّا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿فَذَلِكَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النَّقْرِ، وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ المُضافِ إلى النَّقْرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿فَذَلِكَ﴾ أعْنِي اليَوْمَ المُضافَ إلى النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَيَكُونُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَرْفُوعَ المَحَلِّ بَدَلًا مِن ذَلِكَ، و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَوْمُ النَّقْرِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَعَلى هَذا ”يَوْمَئِذٍ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن ”ذَلِكَ“، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ اليَوْمُ إلى ”إذْ“ وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ - بُنِيَ عَلى الفَتْحِ.

الثّالِثُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: فَذَلِكَ النَّقْرُ يَوْمَئِذٍ نَقْرُ يَوْمٍ عَسِيرٍ؛ عَلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو النَّقْرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَسُرَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلى الكافِرِينَ لِأنَّهم يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ وتَسْوَدُّ وُجُوهُهم ويُحْشَرُونَ زُرْقًا وتَتَكَلَّمُ جَوارِحُهم فَيُفْتَضَحُونَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ عَلَيْهِمْ يَسِيرٌ لِأنَّهم لا يُناقَشُونَ في الحِسابِ ويُحْشَرُونَ بِيضَ الوُجُوهِ ثِقالَ المَوازِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالعُسْرِ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لِلْجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الأنْبِياءَ يَوْمَئِذٍ يَفْزَعُونَ، وأنَّ الوِلْدانَ يَشِيبُونَ إلّا أنَّهُ يَكُونُ هَوْلُ الكُفّارِ فِيهِ أشَدَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَإنَّ المَعْنى أنَّهُ عَلى الكافِرِينَ عَسِيرٌ، وغَيْرُ يَسِيرٍ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَحْسُنُ الوَقْفُ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ عَسِيرٌ عَلى الكُلِّ، ثُمَّ الكافِرُ مَخْصُوصٌ فِيهِ بِزِيادَةٍ خاصَّةٍ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ يَسِيرٍ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾