< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah074
Al-Muddaththir (74)
The Cloaked One, makkah, 56 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ذَلِكَ القَدْرُ الَّذِي هو قَلِيلٌ في غايَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا.
وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ كالمُرَتَّبَةِ:
فالوَجْهُ الأوَّلُ مَعْناهُ: كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَمْنُوعًا مِن طَلَبِ الزِّيادَةِ في العِوَضِ.
والوَجْهُ الثّانِي مَعْناهُ: كَوْنُهُ مَمْنُوعًا عَنْ طَلَبِ مُطْلَقِ العِوَضِ، زائِدًا كانَ أوْ مُساوِيًا أوْ ناقِصًا.
والوَجْهُ الثّالِثُ مَعْناهُ: أنْ يُعْطِيَ ويَنْسِبَ نَفْسَهُ إلى التَّقْصِيرِ ويَجْعَلَ نَفْسَهُ تَحْتَ مِنَّةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ الإنْعامَ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: مَعْناهُ إذا أعْطَيْتَ شَيْئًا فَلا يَنْبَغِي أنْ تَمُنَّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ أنَّكَ تَسْتَكْثِرُ تِلْكَ العَطِيَّةَ، فَإنَّ المَنَّ مُحْبِطٌ لِثَوابِ العَمَلِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾[ البَقَرَةِ: ٢٦٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: ”تَسْتَكْثِرْ“ بِالجَزْمِ، وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ أبَوْا هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن قَبِلَها، وذَكَرُوا في صِحَّتِها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَمْنُنْ لا تَسْتَكْثِرْ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ أرادَ ”تَسْتَكْثِرُ“ فَأسْكَنَ الرّاءَ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ مَعَ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، كَما حَكاهُ أبُو زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ بِإسْكانِ اللّامِ.
وثالِثُها: أنْ يُعْتَبَرَ حالُ الوَقْفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”تَسْتَكْثِرَ“ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ:
ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”ولا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ“ .صفحة ١٧٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إذا أعْطَيْتَ المالَ فاصْبِرْ عَلى تَرْكِ المَنِّ والِاسْتِكْثارِ، أيِ: اتْرُكْ هَذا الأمْرَ لِأجْلِ مَرْضاةِ رَبِّكَ.
وثانِيها: إذا أعْطَيْتَ المالَ فَلا تَطْلُبِ العِوَضَ، ولْيَكُنْ هَذا التَّرْكُ لِأجْلِ رَبِّكَ.
وثالِثُها: أنّا أمَرْناكَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِأشْياءَ ونَهَيْناكَ عَنْ أشْياءَ فاشْتَغِلْ بِتِلْكَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ لِأجْلِ أمْرِ رَبِّكَ، فَكَأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ تَكالِيفُ بِالأفْعالِ والتُّرُوكِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ ما لِأجْلِهِ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِتِلْكَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وهو طَلَبُ رِضا الرَّبِّ.
ورابِعُها: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكُفّارَ لَمّا اجْتَمَعُوا وبَحَثُوا عَنْ حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ قامَ الوَلِيدُ ودَخَلَ دارَهُ فَقالَ القَوْمُ: إنَّ الوَلِيدَ قَدْ صَبَأ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ، وقالَ: إنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ مالًا حَتّى لا تَتْرُكَ دِينَ آبائِكَ، فَهو لِأجْلِ ذَلِكَ المالِ بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ: إنَّهُ بَقِيَ عَلى دِينِهِ الباطِلِ لِأجْلِ المالِ، وأمّا أنْتَ فاصْبِرْ عَلى دِينِكَ الحَقِّ لِأجْلِ رِضا الحَقِّ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ.
وخامِسُها: أنَّ هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ لا الأوْثانَ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ولا تَكُنْ كالمُشْرِكِينَ نَجِسَ البَدَنِ والثِّيابِ ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ ولا تَقْرَبْهُ كَما تَقْرَبُهُ الكُفّارُ ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ كَما أرادَ الكُفّارُ أنْ يُعْطُوا الوَلِيدَ قَدْرًا مِنَ المالِ وكانُوا يَسْتَكْثِرُونَ ذَلِكَ القَلِيلَ ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ لا لِلْأغْراضِ العاجِلَةِ مِنَ المالِ والجاهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِ قُدْوَةِ الأنْبِياءِ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، عَدَلَ عَنْهُ إلى شَرْحِ وعِيدِ الأشْقِياءِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ لِلسَّبَبِ كَأنَّهُ قالَ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾[ الأحْزابِ: ٤٨] فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ عَسِيرٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم، وتَلْقى أنْتَ عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الوَقْتَ الَّذِي يُنْقَرُ في النّاقُورِ، أهُوَ النَّفْخَةُ الأُولى أمِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النَّفْخَةُ الأُولى، قالَ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ المِنهاجِ: أنَّهُ تَعالى سَمّى الصُّورَ بِاسْمَيْنِ؛ أحَدُهُما الصُّورُ، والآخَرُ النّاقُورُ، وقَوْلُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النّاقُورَ هو الصُّورُ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ الصُّورَ وإنْ كانَ هو الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَتانِ مَعًا، فَإنَّ نَفْخَةَ الإصْعاقِ تُخالِفُ نَفْخَةَ