< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَذابَ اللَّهِ إذا وقَعَ، وقَعَ دَفْعَةً مِن غَيْرِ سَبْقِ أمارَةٍ، فَلا تَغْتَرُّوا بِأحْوالِكم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّعْوى اسْمٌ يَقُومُ مَقامَ الِادِّعاءِ، ومَقامَ الدُّعاءِ حَكى سِيبَوَيْهِ: اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دُعاءِ المُسْلِمِينَ، ودَعْوى المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما كانَ تَضَرُّعُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ، فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَما كانَ قَوْلُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا الِاعْتِرافَ بِالظُّلْمِ والإقْرارَ بِالإساءَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ أنْ رَفْعًا بِكانَ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ نَصْبًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ (النَّمْلِ: ٥٦) وقَوْلِهِ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ﴾ (الحَشْرِ: ١٧) وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٥) قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا عَلى الضِّدِّ مِن هَذا بِأنْ يَكُونَ الدَّعْوى رَفْعًا، وإنْ قالُوا نَصْبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: (لَيْسَ البِرُّ أنْ تَوُلُّوا ) (البَقَرَةِ: ١٧٧) عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَ البِرَّ، والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّهُ إذا حَصَلَ بَعْدَ كَلِمَةِ كانَ مَعْرِفَتانِ، فَأنْتَ بِالخِيارِ في رَفْعِ أيِّهِما شِئْتَ، وفي نَصْبِ الآخَرِ، كَقَوْلِكَ: كانَ زَيْدٌ أخاكَ، وإنْ شِئْتَ كانَ زَيْدًا أخُوكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أنْ يَقُولَ: (فَما كانَتْ دَعْواهم) فَلَمّا قالَ: كانَ، دَلَّ عَلى أنَّ الدَّعْوى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّعْوى، وإنْ كانَتْ رَفْعًا فَتَقُولُ: كانَ دَعْواهُ باطِلًا، وباطِلَةً، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّسُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّبْلِيغِ، وأمَرَ الأُمَّةَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ، وذَكَرَ التَّهْدِيدَ عَلى تَرْكِ القَبُولِ والمُتابَعَةِ بِذِكْرِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وهو أنَّهُ تَعالى

صفحة ٢٠

يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ الِاقْتِصارُ عَلى ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الِاعْتِرافِ. بَلْ يَنْضافُ إلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَخْتَصُّ بِأهْلِ العِقابِ. بَلْ هو عامٌّ في أهْلِ العِقابِ وأهْلِ الثَّوابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُمُ الأُمَّةُ، والمُرْسَلُونَ هُمُ الرُّسُلُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسْألُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ أنْ يُخْبِرَ المَسْؤُولُ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ بَعْدَهُ ؟

وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ فَإذا كانَ يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، فَما مَعْنى هَذا السُّؤالِ ؟

والجَوابُ: أنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ مُقَصِّرِينَ، سُئِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ والتَّقْصِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ.

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في سُؤالِ الرُّسُلِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ ؟

قُلْنا: لِأنَّهم إذا أثْبَتُوا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ التَحَقَ التَّقْصِيرُ بِكُلِّيَّتِهِ بِالأُمَّةِ، فَيَتَضاعَفُ إكْرامُ اللَّهِ في حَقِّ الرُّسُلِ لِظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِباتِ التَّقْصِيرِ، ويَتَضاعَفُ أسْبابُ الخِزْيِ والإهانَةِ في حَقِّ الكُفّارِ، لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ التَّقْصِيرِ