< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah065
At-Talaaq (65)
Divorce, madinah, 12 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قالَ:﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: واتَّقُوا اللَّهَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ.
فَنَقُولُ: فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ فَإنَّ لَفْظَ الرَّبِّ يُنَبِّهُهم عَلى أنَّ التَّرْبِيَةَ الَّتِي هي الإنْعامُ والإكْرامُ بِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ غايَةُ التَّعْدادِ فَيُبالِغُونَ في التَّقْوى حِينَئِذٍ خَوْفًا مِن فَوْتِ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ.
الثّانِي: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ إخْراجِهِمْ وخُرُوجِهِنَّ ؟
نَقُولُ: مَعْنى الإخْراجِ أنْ لا يُخْرِجَهُنَّ البُعُولَةُ غَضَبًا عَلَيْهِنَّ وكَراهَةً لِمُساكَنَتِهِنَّ أوْ لِحاجَةٍ لَهم إلى المَساكِنِ وأنْ لا يَأْذَنُوا لَهُنَّ في الخُرُوجِ إذا طَلَبْنَ ذَلِكَ، إيذانًا بِأنَّ إذْنَهم لا أثَرَ لَهُ في رَفْعِ الحَظْرِ، ولا يَخْرُجْنَ بِأنْفُسِهِنَّ إنْ أرَدْنَ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: قُرِئَ: ”بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ“ و”مُبَيَّنَةٍ“ فَمَن قَرَأ مُبَيِّنَةٍ بِالخَفْضِ فَمَعْناهُ: أنَّ نَفْسَ الفاحِشَةِ إذا تَفَكَّرَ فِيها تَبَيَّنَ أنَّها فاحِشَةٌ، ومَن قَرَأ مُبَيَّنَةٍ بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّها مُبَرْهَنَةٌ بِالبَراهِينِ، ومُبَيَّنَةٌ بِالحُجَجِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ والحُدُودُ هي المَوانِعُ عَنِ المُجاوَزَةِ نَحْوَ النَّواهِي، والحَدُّ في الحَقِيقَةِ هو النِّهايَةُ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْها الشَّيْءُ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعُودُ ما ذُكِرَ مِن طَلاقِ السُّنَّةِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْكامِ ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ وهَذا تَشْدِيدٌ فِيمَن يَتَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ، ومَن يُطَلِّقُ لِغَيْرِ العِدَّةِ ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ ضَرَّ نَفْسَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ومَن يَتَجاوَزِ الحَدَّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ وضَعَ نَفْسَهُ مَوْضِعًا لَمْ يَضَعْهُ فِيهِ رَبُّهُ، والظُّلْمُ هو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّدَمَ عَلى طَلاقِها والمَحَبَّةَ لَرَجْعَتِها في العِدَّةِ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ في التَّطْلِيقِ أنْ يُوقَعَ مُتَفَرِّقًا، قالَ أبُو إسْحاقَ: إذا طَلَّقَها ثَلاثًا في وقْتٍ واحِدٍ فَلا مَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ .
صفحة ٣١
﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ قارَبْنَ انْقِضاءَ أجَلِ العِدَّةِ لا انْقِضاءَ أجَلِهِنَّ، والمُرادُ مِن بُلُوغِ الأجَلِ هُنا مُقارَبَةُ البُلُوغِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو آخِرُ العِدَّةِ ومُشارَفَتُهُ، فَأنْتُمْ بِالخِيارِ إنْ شِئْتُمْ فالرَّجْعَةُ والإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ شِئْتُمْ فَتَرْكُ الرَّجْعَةِ والمُفارَقَةُ، وإبْقاءُ الضِّرارِ، وهو أنْ يُراجِعَها في آخِرِ العِدَّةِ، ثُمَّ يُطَلِّقَها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ وتَعْذِيبًا لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ أُمِرُوا أنْ يُشْهِدُوا عِنْدَ الطَّلاقِ وعِنْدَ الرَّجْعَةِ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهَذا الإشْهادُ مَندُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٢) وعِنْدَ الشّافِعِيِّ هو واجِبٌ في الرَّجْعَةِ مَندُوبٌ إلَيْهِ في الفُرْقَةِ، وقِيلَ: فائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدُ، وأنْ لا يُتَّهَمَ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِيَ الباقِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ، وقِيلَ: الإشْهادُ إنَّما أُمِرُوا بِهِ لِلِاحْتِياطِ مَخافَةَ أنْ تُنْكِرَ المَرْأةُ المُراجَعَةَ فَتَنْقَضِيَ العِدَّةُ فَتَنْكِحَ زَوْجًا. ثُمَّ خاطَبَ الشُّهَداءَ فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾ وهَذا أيْضًا مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾قالَ الشَّعْبِيُّ: مَن يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى الرَّجْعَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ أمْرٍ ضاقَ عَلى النّاسِ، قالَ الكَلْبِيُّ: ومَن