< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا، وهَذا لِأنَّ الكاذِبَ قَدْ يَكْذِبُ في حَقِيقَةِ الأمْرِ ورُبَّما يَكْذِبُ في صِفَةِ صِفاتِهِ، والصِّفَةُ قَدْ يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها التِفاتًا مُعْتَبَرًا، وقَدْ لا يَكُونُ مُلْتَفَتًا إلَيْها أصْلًا.

(مِثالُ الأوَّلِ): قَوْلُ القائِلِ: ما جاءَ زَيْدٌ ويَكُونُ قَدْ جاءَ.

(ومِثالُ الثّانِي): ما جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ.

(ومِثالُ الثّالِثُ): ما جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ ويَكُونُ قَدْ جاءَ بُكْرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ وما جاءَ أوَّلَ بُكْرَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ.

والثّانِي دُونَ الأوَّلِ والرّابِعُ دُونَ الكُلِّ، فَإذا قالَ القائِلُ: ما أعْرِفُ كَلِمَةً كاذِبَةً نَفى عَنْهُ الكَذِبَ في الإخْبارِ وفي صِفَتِهِ والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ حَرْفًا واحِدًا نَفى أمْرًا وراءَهُ، والَّذِي يَقُولُ: ما عَرَفْتُ أعْرافَةً واحِدَةً يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أيْ مَن يُغَيِّرُ تَغْيِيرًا ولَوْ كانَ يَسِيرًا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أيْ كانَتِ الأرْضُ كَثِيبًا مُرْتَفِعًا والجِبالُ مَهِيلًا مُنْبَسِطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى في وصْفِ الجِبالِ: ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾[القارعة: ٥] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ فائِدَةِ ذِكْرِ المَصْدَرِ وهي أنَّهُ يُفِيدُ أنَّ الفِعْلَ كانَ قَوْلًا مُعْتَبَرًا ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ويُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإذا قالَ القائِلُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا مُعْتَبَرًا لا يَقُولُ القائِلُ فِيهِ: لَيْسَ بِضَرْبٍ مُحْتَقِرًا لَهُ كَما يُقالُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ إذا رُجَّتِ بَدَلًا عَنْ إذا وقَعَتْ فَيَكُونُ العامِلُ فِيها ما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ.

ثانِيها: أنْ يَكُونَ العامِلُ في: ﴿إذا وقَعَتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ والعامِلُ في: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ تُخْفَضُ الواقِعَةُ وتُرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ وبَسِّ الجِبالِ، والفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ الأرْضَ ما لَمْ تَتَحَرَّكْ والجِبالَ ما لَمْ تَنْبَسَّ لا تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا، والبَسُّ التَّقْلِيبُ، والهَباءُ هو الهَواءُ المُخْتَلِطُ بِأجْزاءٍ أرْضِيَّةٍ تَظْهَرُ في خَيالِ الشَّمْسِ إذا وقَعَ شُعاعُها في كُوَّةٍ، وقالَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ بَيْنَ الحُرُوفِ والمَعانِي مُناسَبَةً إنَّ الهَواءَ إذا خالَطَهُ أجْزاءٌ ثَقِيلَةٌ أرْضِيَّةٌ ثَقُلَ مِن لَفْظِهِ حَرْفٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ الخَفِيفَةُ بِالباءِ الَّتِي لا يُنْطَقُ بِها إلّا بِإطْباقِ الشَّفَتَيْنِ بِقُوَّةٍ ما أوْ في الباءِ ثِقَلٌ ما.

صفحة ١٢٥

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْتُمْ أزْواجٌ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، وفَسَّرَها بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ تَدُلُّ عَلى التَّفْسِيرِ، وبَيانُ ما ورَدَ عَلى التَّقْسِيمِ كَأنَّهُ قالَ: أزْواجًا ثَلاثَةً: أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ إلَخْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ كُلِّ قَوْمٍ، فَقالَ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ فَتَرَكَ التَّقْسِيمَ أوَّلًا واكْتَفى بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ ذَكَرَ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مَعَ أحْوالِها، وسَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ يُغْنِي عَنْ تَعْدِيدِ الأقْسامِ، ثُمَّ أعادَ كُلَّ واحِدَةٍ لِبَيانِ حالِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ هم أصْحابُ الجَنَّةِ، وتَسْمِيَتُهم بِأصْحابِ المَيْمَنَةِ إمّا لِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن كُتُبُهم بِأيْمانِهِمْ، وإمّا لِكَوْنِ أيْمانِهِمْ تَسْتَنِيرُ بِنُورٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾[التحريم: ٨]وإمّا لِكَوْنِ اليَمِينِ يُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى الخَيْرِ، والعَرَبُ تَتَفاءَلُ بِالسّانِحِ، و[ هو ] الَّذِي يَقْصِدُ جانِبَ اليَمِينِ مِنَ الطُّيُورِ والوُحُوشِ عِنْدَ الزَّجْرِ والأصْلُ فِيهِ أمْرٌ حُكْمِيٌّ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ كانَ لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، حَتّى أنَّ في نَفْسِ الإنْسانِ لَهُ دَلائِلُ لا