< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah056
Al-Waaqia (56)
The Inevitable, makkah, 96 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قالَ وقالَ وقالَ، وقالا بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: قالَ وقالَ، فَكَذَلِكَ في المُبالَغَةِ، أرادُوا أنْ يَأْتُوا بِحَرْفٍ يُغْنِي عَنْ كَلِمَةٍ والحَرْفُ الدّالُّ عَلى الزِّيادَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الآخِرِ، لِأنَّ الزِّيادَةَ بَعْدَ أصْلِ الشَّيْءِ، فَوَضَعُوا الهاءَ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِها لِلتَّأْنِيثِ والتَّوْحِيدِ في اللَّفْظِ المُفْرَدِ لا في الجَمْعِ لِلْمُبالَغَةِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في كانَتِ الكائِنَةُ ووَقَعَتِ الواقِعَةُ: حَصَلَ هَذا مَعْنًى لا لَفْظًا، أمّا مَعْنًى فَلِأنَّهم قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ: كانَتِ الكائِنَةُ أنَّ الكائِنَ زائِدٌ عَلى أصْلِ ما يَكُونُ، وأمّا لَفْظًا فَلِأنَّ الهاءَ لَوْ كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ لَما جازَ إثْباتُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ في الفِعْلِ، بَلْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوا: كانَ الكائِنَةُ ووَقَعَ الواقِعَةُ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العامِلُ في ﴿إذا﴾ ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِعْلٌ مُتَقَدِّمٌ يَجْعَلُ إذا مَفْعُولًا بِهِ لا ظَرْفًا وهو اذْكُرْ، كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرِ القِيامَةَ. ثانِيها: العامِلُ فِيها ”لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ“ كَما تَقُولُ: يَوْمَ الجُمُعَةِ لَيْسَ لِي شُغْلٌ. ثالِثُها: يُخْفَضُ قَوْمٌ ويُرْفَعُ قَوْمٌ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾، وقِيلَ: العامِلُ فِيها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيْ في يَوْمِ وُقُوعِ الواقِعَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها تَقَعُ دُفْعَةً واحِدَةً فالوَقْعَةُ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿كاذِبَةٌ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: ”كاذِبَةٌ“ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ مَقامُهُ تَقْدِيرُهُ لَيْسَ لَها نَفْسٌ تَكْذِبُ.
ثانِيها: الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقُولُ في الواقِعَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
ثالِثُها: هي مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، فَإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الأوَّلِ فاللّامُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لا تَكْذِبُ نَفْسٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّةِ وقْعَتِها، كَما يُقالُ: لا كاذِبَ عِنْدَ المَلِكِ لِضَبْطِهِ الأُمُورَ، فَيَكُونُ نَفْيًا عامًّا بِمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ فِيما يَقُولُ، وقالَ: وقَبْلَهُ نُفُوسٌ كَواذِبُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ ولا كاذِبَ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ لِشِدَّةِ وقْعَتِها وظُهُورِ الأمْرِ وكَما يُقالُ: لا يَحْتَمِلُ الأمْرُ الإنْكارَ لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَكُونُ نَفْيًا خاصًّا بِمَعْنى لا يُكَذِّبُ أحَدٌ فَيَقُولُ: لا قِيامَةَ وقَبْلَهُ نُفُوسٌ قائِلَةٌ بِهِ كاذِبَةٌ فِيهِ.
ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ وذَلِكَ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِزَيْدٍ ضارِبٌ، وحِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ: إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها أمْرٌ يُوجَدُ لَها كاذِبٌ إنْ أخْبَرَ عَنْها فَهي خافِضَةٌ رافِعَةٌ تُخْفِضُ قَوْمًا وتَرْفَعُ قَوْمًا.
وعَلى هَذا لا تَكُونُ عامِلًا في ﴿إذا﴾ وهو بِمَعْنى لَيْسَ لَها كاذِبٌ يَقُولُ: هي أمْرٌ سَهْلٌ يُطاقُ، يُقالُ لِمَن يُقْدِمُ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ ظانًّا أنَّهُ يُطِيقُهُ سَلْ نَفْسَكَ أيْ سَهَّلْتَ الأمْرَ
صفحة ١٢٤
عَلَيْكَ ولَيْسَ بِسَهْلٍ، وإنْ قُلْنا بِالوَجْهِ الثّانِي وهو المُبالَغَةُ فَفِيهِ وجْهانِ:أحَدُهُما: لَيْسَ لَها كاذِبٌ عَظِيمٌ بِمَعْنى أنَّ مَن يَكْذِبُ ويُقْدِمُ عَلى الكَذِبِ العَظِيمِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْذِبَ لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيهِما: أنَّ أحَدًا لَوْ كَذَّبَ وقالَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا قِيامَةَ ولا واقِعَةَ لَكانَ كاذِبًا عَظِيمًا، ولا كاذِبَ لَهِذِهِ العَظَمَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى هَوْلِ اليَوْمِ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَعُودُ ما ذَكَرْنا إلى أنَّهُ لا كاذِبَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَلْ كُلُّ أحَدٍ يُصَدِّقُهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ تَقْدِيرُهُ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في التَّفْسِيرِ الجُمْلِيِّ وفِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى:
أحَدُها: ”خافِضَةٌ رافِعَةٌ“ صِفَتانِ لِلنَّفْسِ الكاذِبَةِ أيْ لَيْسَ لِوَقْعَتِها مَن يُكَذِّبُ ولا مَن يُغَيِّرُ الكَلامَ فَتُخْفِضُ أمْرًا وتَرْفَعُ آخَرَ فَهي خافِضَةٌ أوْ يَكُونُ هو زِيادَةً لِبَيانِ صِدْقِ الخَلْقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وعَدَمِ إمْكانِ كَذِبِهِمْ والكاذِبُ يُغَيِّرُ الكَلامَ، ثُمَّ إذا أرادَ نَفْيَ الكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ: ما عَرَفْتُ مِمّا كانَ كَلِمَةً واحِدَةً، ورُبَّما