< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلِمَهُ. وثانِيهِما: أنَّ المَفْعُولَ الثّانِي لا بُدَّ مِنهُ وهو جِبْرِيلُ وغَيْرُهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَّمَهُمُ القُرْآنَ، ثُمَّ أنْزَلَهُ عَلى عَبْدِهِ كَما قالَ تَعالى:﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾﴿عَلى قَلْبِكَ﴾[الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المَفْعُولُ الثّانِي هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى لا كَلامَ مُحَمَّدٍ. وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّهُ تَعالى عَلَّمَ القُرْآنَ الإنْسانَ، وهَذا أقْرَبُ لِيَكُونَ الإنْعامُ أتَمَّ، والسُّورَةُ مُفْتَتَحَةٌ لِبَيانِ الأعَمِّ مِنَ النِّعَمِ الشّامِلَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِمَ تَرَكَ المَفْعُولَ الثّانِي ؟ نَقُولُ: إشارَةً إلى أنَّ النِّعْمَةَ في تَعْمِيمِ التَّعْلِيمِ لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، يُقالُ: فُلانٌ يُطْعِمُ الطَّعامَ إشارَةً إلى كَرَمِهِ، ولا يُبَيِّنُ مَن يُطْعِمُهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما مَعْنى التَّعْلِيمِ ؟ نَقُولُهُ عَلى قَوْلِنا لَهُ مَفْعُولٌ ثانٍ إفادَةُ العِلْمِ بِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُفْهَمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ ؟ [آل عمران: ٧] نَقُولُ: مَن لا يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا اللَّهُ﴾ ويَعْطِفُ: ﴿الرّاسِخُونَ﴾[آل عمران: ٧] عَلى اللَّهِ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ لا يَرِدُ عَلَيْهِ هَذا، ومَن يَقِفُ ويَعْطِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى عَلِمَ القُرْآنَ، لِأنَّ مَن عَلِمَ كِتابًا عَظِيمًا ووَقَعَ عَلى ما فِيهِ، وفِيهِ مَواضِعُ مُشْكِلَةٌ فَعَلِمَ ما في تِلْكَ المَواضِعِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، يُقالَ: فُلانٌ يَعْلَمُ الكِتابَ الفُلانِيَّ ويُتْقِنُهُ بِقَدْرِ وُسْعِهِ، وإنْ كانَ لَمْ يَعْلَمْ مُرادَ صاحِبِ الكِتابِ بِيَقِينٍ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَعْلِيمِ القُرْآنِ، أوْ تَقُولُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ وأمّا غَيْرُهُ فَلا يَعْلَمُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ ما لَمْ يَعْلَمْ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّ كِتابَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ ما فِيها بِقُوَّةِ الذَّكاءِ والعُلُومِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ التَّرْتِيبِ وهو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِن ”عَلَّمَ“ عَلَّمَ المَلائِكَةَ، وتَعْلِيمُهُ المَلائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ الإنْسانِ، فَعَلَّمَ تَعالى مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبِينَ القُرْآنَ حَقِيقَةً يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾[الواقعة: ٧٨] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾[الواقعة: ٨٠] إشارَةً إلى تَنْزِيلِهِ بَعْدَ تَعْلِيمِهِ، وعَلى هَذا فَفي النَّظْمِ حُسْنٌ زائِدٌ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا عُلْوِيَّةً وأُمُورًا سُفْلِيَّةً، وكُلُّ عُلْوِيٍّ قابَلَهُ بِسُفْلِيٍّ، وقَدَّمَ العُلْوِيّاتِ عَلى السُّفْلِيّاتِ إلى آخِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ إشارَةً إلى تَعْلِيمِ العُلْوِيِّينَ، وقالَ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ إشارَةً إلى تَعْلِيمِ

صفحة ٧٦

السُّفْلِيِّينَ، وقالَ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾[الرحمن: ٥] في العُلْوِيّاتِ. وقالَ في مُقابِلَتِهِما مِنَ السُّفْلِيّاتِ: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾[الرحمن: ٦] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾[الرحمن: ٧] وفي مُقابِلَتِها: ﴿والأرْضَ وضَعَها﴾[الرحمن: ١٠]، وثانِيهِما: أنَّ تَقْدِيمَ تَعْلِيمِ القُرْآنِ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ أتَمَّ نِعْمَةٍ وأعْظَمَ إنْعامًا، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: عَلَّمْتُ فُلانًا الأدَبَ حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، وأنْفَقْتُ عَلَيْهِ مالِي، فَقَوْلُهُ: حَمَلْتُهُ وأنْفَقْتُ بَيانٌ لِما تَقَدَّمَ، وإنَّما قَدَّمَ ذَلِكَ لِأنَّهُ الإنْعامُ العَظِيمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ العَلَقِ، حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[العلق: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾[العلق: ٣، ٤] فَقَدَّمَ الخَلْقَ عَلى التَّعْلِيمِ ؟ نَقُولُ: في تِلْكَ السُّورَةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ فَهو كالتَّعْلِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: