< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَكانَ وصْفًا لَهُ مِن بابِ فَعَلَ اللّازِمِ لِيَخْرُجَ عَنِ التَّعَدِّي.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿الجَلالِ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ مِن بابِ النَّفْيِ، كَقَوْلِنا: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ، ولِهَذا يُقالُ: جَلَّ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا، وجَلَّ أنْ يَكُونَ عاجِزًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجَلالَ هو بِمَعْنى العَظَمَةِ غَيْرَ أنَّ العَظَمَةَ أصْلُها في القُوَّةِ، والجَلالُ في الفِعْلِ، فَهو عَظِيمٌ لا يَسَعُهُ عَقْلٌ ضَعِيفٌ، فَجَلَّ أنْ يَسَعَهُ كُلُّ فَرْضٍ مَعْقُولٍ: (﴿والإكْرامِ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ هي مِن بابِ الإثْباتِ، كَقَوْلِنا: حَيٌّ قادِرٌ عالِمٌ، وأمّا السَّمِيعُ والبَصِيرُ فَإنَّهُما مِن بابِ الإثْباتِ كَذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مِن بابِ النَّفْيِ، وصِفاتُ بابِ النَّفْيِ قَبْلَ صِفاتِ بابِ الإثْباتِ عِنْدَنا، لِأنّا أوَّلًا نَجِدُ الدَّلِيلَ وهو العالَمُ فَنَقُولُ: العالَمُ مُحْتاجٌ إلى شَيْءٍ وذَلِكَ الشَّيْءُ لَيْسَ مِثْلَ العالَمِ فَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ ولا مُحْتاجٍ، ولا مُمْكِنٍ، ثُمَّ نُثْبِتُ لَهُ القُدْرَةَ والعِلْمَ وغَيْرَهُما، ومِن هُنا قالَ تَعالى لِعِبادِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾[الصافات: ٣٥] وقالَ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» ونَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، نَفْيُ صِفاتِ غَيْرِ اللَّهِ عَنِ اللَّهِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: الجِسْمُ لَيْسَ بِإلَهٍ لَزِمَ مِنهُ قَوْلُكَ: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ و﴿الجَلالِ والإكْرامِ﴾ وصْفانِ مُرَتَّبانِ عَلى أمْرَيْنِ سابِقَيْنِ، فالجَلالُ مُرَتَّبٌ عَلى فَناءِ الغَيْرِ والإكْرامُ عَلى بَقائِهِ تَعالى، فَيَبْقى الفَرْدُ وقَدْ عَزَّ أنْ يُحَدَّ أمْرُهُ بِفَناءِ مَن عَداهُ وما عَداهُ، ويَبْقى وهو مُكْرِمٌ قادِرٌ عالِمٌ فَيُوجِدُ بَعْدَ فَنائِهِمْ مَن يُرِيدُ. وقُرِئَ: ”ذُو الجَلالِ“، و”ذِي الجَلالِ“ . وسَنَذْكُرُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ في تَفْسِيرِ آخِرِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ مَسْئُولًا وهَذا مَنقُولٌ مَعْقُولٌ، وفِيهِ إشْكالٌ. وهو أنَّهُ يُفْضِي إلى التَّناقُضِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ كانَ إشارَةً إلى بَقائِهِ بَعْدَ فَناءِ مَن عَلى الأرْضِ، فَكَيْفَ يَكُونُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَسْئُولًا لِمَن في الأرْضِ ؟ فَأمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى [ الأُمُورِ ] الجارِيَةِ [ في يَوْمِنا ] فَلا إشْكالَ في هَذا الوَجْهِ، وأمّا عَلى الصَّحِيحِ فَنَقُولُ: عَنْهُ أجْوِبَةٌ. أحَدُها: لَمّا بَيَّنّا أنَّهُ فانٍ نَظَرًا إلَيْهِ ولا يَبْقى إلّا بِإبْقاءِ اللَّهِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مَسْئُولًا. ثانِيها: أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا مَعْنًى لا حَقِيقَةً، لِأنَّ الكُلَّ إذا فَنَوْا ولَمْ يَكُنْ وُجُودٌ إلّا بِاللَّهِ، فَكَأنَّ القَوْمَ فَرَضُوا سائِلِينَ بِلِسانِ الحالِ. ثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَبْقى﴾ لِلِاسْتِمْرارِ فَيَبْقى ويُعِيدُ مَن كانَ في الأرْضِ ويَكُونُ مَسْئُولًا. والثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ وهو أظْهَرُ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٩٦
المَسْألَةُ الأُولى: ماذا يَسْألُهُ السّائِلُونَ ؟ فَنَقُولُ: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:أحَدُها: أنَّهُ سُؤالُ اسْتِعْطاءٍ. فَيَسْألُهُ كُلُّ أحَدٍ الرَّحْمَةَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ.
ثانِيها: أنَّهُ سُؤالُ اسْتِعْلامٍ أيْ عِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو، فَكُلُّ أحَدٍ يَسْألُهُ عَنْ عاقِبَةِ أمْرِهِ وعَمّا فِيهِ صَلاحُهُ وفَسادُهُ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ يَعْتَرِفُ بِجَهْلِهِ وعِلْمِ اللَّهِ. نَقُولُ: هَذا كَلامٌ في حَقِيقَةِ الأمْرِ مِن جاهِلٍ، فَإنْ كانَ مِن جاهِلٍ مُعانِدٍ فَهو في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا وارِدٌ، فَإنَّ مِنَ المُعانِدِينَ مَن لا يَعْتَرِفُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ فَلا يَسْألُهُ شَيْئًا بِلِسانِهِ، وإنْ كانَ يَسْألُهُ بِلِسانِ حالِهِ لِإمْكانِهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ عاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ