< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah055
Ar-Rahmaan (55)
The Beneficent, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الفاكِهَةُ فَنَوْعٌ مِنها كالخَوْخِ والإجّاصِ مَثَلًا لَيْسَ فِيهِ عَظِيمُ النِّعْمَةِ كَما في النَّخْلِ، فَقالَ: (فاكِهَةٌ) بِالتَّنْكِيرِ لَيَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وقَدْ صَرَّحَ بِالكَثْرَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَقالَ:﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾[ص: ٥١] وقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾[الواقعة: ٣٢، ٣٣]، فالفاكِهَةُ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى ووَصَفَها بِالكَثْرَةِ صَرِيحًا وذَكَرَها مُنَكَّرَةً، لِتُحْمَلَ عَلى أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالكَثْرَةِ اللّائِقَةِ بِالنِّعْمَةِ في النَّوْعِ الواحِدِ مِنها بِخِلافِ النَّخْلِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِاسْمِها لا بِاسْمِ أشْجارِها، وذِكْرِ النَّخْلِ بِاسْمِها لا بِاسْمِ ثَمَرِها ؟ نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ: (يس) حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾[يس: ٣٤] وهو أنَّ شَجَرَةَ العِنَبِ، وهي الكَرْمُ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها وهي العِنَبُ حَقِيرَةٌ، وشَجَرَةُ النَّخْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها عَظِيمَةٌ، وفِيها مِنَ الفَوائِدِ الكَثِيرَةِ عَلى ما عُرِفَ مِنَ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ مِنَ الأشْجارِ، فَذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها.
البَحْثُ الرّابِعُ: ما مَعْنى: ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: الأكْمامُ كُلُّ ما يُغَطِّي، جَمْعُ كُمٍّ بِضَمِّ الكافِ، ويَدْخُلُ فِيهِ لِحاؤُها ولِيفُها ونَواها والكُلُّ مُنْتَفَعٌ بِهِ، كَما أنَّ النَّخْلَ مُنْتَفَعٌ بِها وأغْصانِها وقَلْبِها الَّذِي هو الجُمّارُ.
ثانِيهِما: الأكْمامُ جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وهو وِعاءُ الطَّلْعِ فَإنَّهُ يَكُونُ أوَّلًا في وِعاءٍ فَيَنْشَقُّ ويَخْرُجُ مِنهُ الطَّلْعُ، فَإنْ قِيلَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لِأنَّها إشارَةٌ إلى أنْواعِ النِّعَمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَما فائِدَةُ ذِكْرِها ؟ نَقُولُ: الإشارَةُ إلى سُهُولَةِ جَمْعِها والِانْتِفاعِ بِها فَإنَّ النَّخْلَةَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُمْكِنُ هَزُّها لِتَسْقُطَ مِنها الثَّمَرَةُ فَلا بُدَّ مِن قَطْفِ الشَّجَرَةِ فَلَوْ كانَ مِثْلَ الجُمَّيْزِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرَةِ مُتَفَرِّقًا واحِدَةً واحِدَةً لَصَعُبَ قِطافُها، فَقالَ: ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ أيْ يَكُونُ في كِمٍّ شَيْءٌ كَثِيرٌ إذا أُخِذَ عُنْقُودٌ واحِدٌ مِنهُ كَفى رَجُلًا واثْنَيْنِ كَعَناقِيدِ العِنَبِ، فانْظُرْ إلَيْها فَلَوْ كانَ العِنَبُ حَبّاتُها في الأشْجارِ مُتَفَرِّقَةٌ كالجُمَّيْزِ والزُّعْرُورِ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُ بِالهَزِّ مَتى أُرِيدَ جَمْعُهُ، فَخَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَناقِيدَ مُجْتَمِعَةً، كَذَلِكَ الرُّطَبُ فَكَوْنُها ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ مِن جُمْلَةِ إتْمامِ الإنْعامِ.
صفحة ٨٤
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ اقْتَصَرَ مِنَ الأشْجارِ عَلى النَّخْلِ لِأنَّها أعْظَمُها ودَخَلَ في الحَبِّ القَمْحُ والشَّعِيرُ وكُلُّ حَبٍّ يُقْتاتُ بِهِ خُبْزًا أوْ يُؤْدَمُ بِهِ بَيَّنّا أنَّهُ أخَّرَهُ في الذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ الِارْتِقاءِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، فالحُبُوبُ أنْفَعُ مِنَ النَّخْلِ وأعَمُّ وُجُودًا في الأماكِنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: التِّبْنُ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ دَوابُّنا الَّتِي خُلِقَتْ لَنا.
ثانِيها: أوْراقُ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ الخارِجَةُ مِن جَوانِبِ السّاقِ كَأوْراقِ السُّنْبُلَةِ مِن أعْلاها إلى أسْفَلِها.
ثالِثُها: العَصْفُ هو ورَقُ ما يُؤْكَلُ فَحَسْبُ، ﴿والرَّيْحانُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ، قِيلَ: ما يُشَمُّ وقِيلَ: الوَرَقُ، وقِيلَ: هو الرَّيْحانُ المَعْرُوفُ عِنْدَنا وبَزْرُهُ يَنْفَعُ في الأدْوِيَةِ، والأظْهَرُ أنَّ رَأْسَها كالزَّهْرِ وهو أصْلُ وُجُودِ المَقْصُودِ، فَإنَّ ذَلِكَ الزَّهْرَ يَتَكَوَّنُ بِذَلِكَ الحَبِّ ويَنْعَقِدُ إلى أنْ يُدْرَكَ فَـ ﴿العَصْفِ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الوَرَقِ والرَّيْحانُ إلى ذَلِكَ الزَّهْرِ، وإنَّما ذَكَرَهُما لِأنَّهُما يَؤُولانِ إلى المَقْصُودِ مِن أحَدِهِما عَلْفَ الدَّوابِّ، ومِنَ الآخَرِ دَواءَ الإنْسانِ، وقُرِئَ (الرَّيْحانُ) بِالجَرِّ مَعْطُوفًا عَلى العَصْفِ، وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الحَبِّ، وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّيْحانِ: المَشْمُومَ فَيَكُونَ أمْرًا مُغايِرًا لِلْحَبِّ فَيُعْطَفَ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ