< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah054
Al-Qamar (54)
The Moon, makkah, 55 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنَّهُ لَمّا أُخْبِرَ بِوُجُودِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ عَنْ أُمُورٍ تَكُونُ، فَكانَ وُجُودُهُ دَلِيلَ أُمُورٍ، وأيْضًا القَمَرُ لَمّا انْشَقَّ كانَ انْشِقاقُهُ عِنْدَ اسْتِدْلالِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى المُشْرِكِينَ، وهم كانُوا غافِلِينَ عَمّا في الكُتُبِ، وأمّا أصْحابُ الكُتُبِ فَلَمْ يَفْتَقِرُوا إلى بَيانِ عَلامَةِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِها وبِقُرْبِها، فَهي إذَنْ آيَةٌ دالَّةٌ عَلى جَوازِ تَخْرِيبِ السَّماواتِ وهو العُمْدَةُ الكُبْرى؛ لِأنَّ السَّماواتَ إذا طُوِيَتْ وجُوِّزَ ذَلِكَ، فالأرْضُ ومَن عَلَيْها لا يُسْتَبْعَدُ فَناؤُهُما، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في العُقُولِ والأذْهانِ، يَقُولُ: مَن يَسْمَعْ أمْرًا لا يَقَعُ هَذا بَعِيدٌ مُسْتَبْعَدٌ، وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ بَعْضُ ضُعَفاءِ الأذْهانِ يُنْكِرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَهُ عَلى قُرْبِ الوُقُوعِ زَمانًا لا إمْكانًا يُمَكِّنُ الكافِرَ مِن مُجادَلَةٍ فاسِدَةٍ، فَيَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في زَمانِ النَّبِيَّ ﷺ: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ .
ويَقُولُونَ بِأنَّ مِن قَبْلُ أيْضًا في الكُتُبِ [السّابِقَةِ] كانَ يَقُولُ: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ﴾[الأنبياء: ٩٧] ثُمَّ مَضى مِائَةُ سَنَةٍ ولَمْ يَقَعْ، ولا يَبْعُدْ أنْ يَمْضِيَ ألْفٌ آخَرُ ولا يَقَعُ، ولَوْ صَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ القُرْبِ زَمانًا عَلى مِثْلِ هَذا لا يَبْقى وُثُوقٌ بِالإخْباراتِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ لِانْتِهازِ الفُرْصَةِ والإيمانِ قَبْلَ أنْ لا يَصِحَّ الإيمانُ، فَلِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ: إذا كانَ القُرْبُ بِهَذا المَعْنى فَلا خَوْفَ مِنها؛ لِأنَّها لا تُدْرِكُنِي، ولا تُدْرِكُ أوْلادِي، ولا أوْلادَ أوْلادِي، وإذا كانَ إمْكانُها قَرِيبًا في العُقُولِ يَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا بالِغًا عَلى المُشْرِكِينَ والفَلاسِفَةِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلَ ما كَلَّفَ الِاعْتِرافَ بِالوَحْدانِيَّةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وقالَ: اعْلَمُوا أنَّ الحَشْرَ كائِنٌ فَخالَفَ المُشْرِكُ والفَلْسَفِيُّ، ولَمْ يَقْنَعْ بِمُجَرَّدِ إنْكارِ ما ورَدَ الشَّرْعُ بِبَيانِهِ، ولَمْ يَقُلْ: لا يَقَعُ أوْ لَيْسَ بِكائِنٍ، بَلْ قالَ: ذَلِكَ بَعِيدٌ، ولَمْ يَقْنَعْ بِهَذا أيْضًا، بَلْ قالَ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولَمْ يَقْنَعْ بِهِ أيْضًا، بَلْ قالَ فَإنَّ امْتِناعَهُ ضَرُورِيٌّ، فَإنَّ مَذْهَبَهم أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ وإحْياءَ المَوْتى مُحالٌ بِالضَّرُورَةِ، ولِهَذا قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾[المؤمنون: ٨٢]﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾[النازعات: ١١]﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾[السجدة: ١٠] بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ، فَلَمّا اسْتَبْعَدُوا لَمْ يَكْتَفِ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِبَيانِ وُقُوعِهِ، بَلْ قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾[الحج: ٧] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ بَلْ قالَ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾[الأحزاب: ٦٣] ولَمْ يَتْرُكْها حَتّى قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾[الأنبياء: ٩٧]﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾[الأنبياء: ١] اقْتِرابًا عَقْلِيًّا لا يَجُوزُ أنْ يُنْكَرَ ما يَقَعُ في زَمانٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى اللَّهِ يَسِيرُ، كَما أنَّ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ عَلَيْنا يَسِيرٌ، بَلْ هو أقْرَبُ مِنهُ بِكَثِيرٍ، والَّذِي يُقَوِّيهِ قَوْلُ العامَّةِ: إنَّ زَمانَ وُجُودِ العالَمِ زَمانٌ مَدِيدٌ، والباقِي بِالنِّسْبَةِ إلى الماضِي شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَلِهَذا قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ .
صفحة ٢٨
وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: ”«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» “ فَمَعْناهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي فَإنَّ زَمانِي يَمْتَدُّ إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَزَمانِي والسّاعَةُ مُتَلاصِقانِ كَهاتَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ زَمانُ النَّبِيِّ ﷺ، وما دامَتْ أوامِرُهُ نافِذَةً فالزَّمانُ زَمانُهُ وإنْ كانَ لَيْسَ هو فِيهِ، كَما أنَّ المَكانَ الَّذِي تَنْفُذُ فِيهِ أوامِرُ المَلِكِ مَكانُ المَلِكِ يُقالُ لَهُ بِلادُ فُلانٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى القُرْبِ بِالمَعْقُولِ مَعَ أنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ ؟ قُلْتُ: كَما صَحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾[الأحزاب: ٦٣]فَإنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي والأمْرُ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ، وفائِدَتُهُ أنَّ قِيامَ السّاعَةِ مُمْكِنٌ لا إمْكانًا بَعِيدًا عَنِ العاداتِ كَحَمْلِ الآدَمِيِّ في زَمانِنا حِمْلًا في غايَةِ الثِّقَلِ، أوْ قَطْعِهِ