< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah053
An-Najm (53)
The Star, makkah, 62 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قَوْلُ شاعِرٍ، ورَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ:﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾[ الحاقَّةِ: ٤١] وذَلِكَ القَوْلُ هو القُرْآنُ، وإنْ قُلْنا بِما قالُوا بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ الوَحْيُ بِالإلْهامِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْتَهِدْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ في الحُرُوبِ اجْتَهَدَ وحَرَّمَ ما قالَ اللَّهُ لَمْ يَحْرُمْ وأذِنَ لِمَن قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٤٣]، نَقُولُ عَلى ما ثَبَتَ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: يُوحى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن وحِيَ يُوحِي ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أوْحى يُوحِي، تَقُولُ عَدِمَ يَعْدَمُ، وأعْدَمَ يُعْدِمُ وكَذَلِكَ عَلِمَ يَعْلَمُ وأعْلَمَ يُعْلِمُ، فَنَقُولُ يُوحى مِن أوْحى لا مِن وحى، وإنْ كانَ وحِيَ وأوْحى كِلاهُما جاءَ بِمَعْنًى ولَكِنَّ اللَّهَ في القُرْآنِ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَذْكُرِ الإيحاءَ الَّذِي هو مَصْدَرُ أوْحى، وعِنْدَ ذِكْرِ الفِعْلِ لَمْ يَذْكُرْ وحِيَ، الَّذِي مَصْدَرُهُ وحْيٌ، بَلْ قالَ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ الوَحْيُ، وقالَ عِنْدَ ذِكْرِ الفِعْلِ (أوْحى) [ الأنْعامِ: ١٩] وكَذَلِكَ القَوْلُ في أحَبَّ وحَبَّ فَإنَّ حَبَّ وأحَبَّ بِمَعْنًى واحِدٍ، واللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ لَمْ يَذْكُرْ في القُرْآنِ الإحْبابَ، وذَكَرَ الحُبَّ إلى ﴿أشَدُّ حُبًّا﴾[ البَقَرَةِ: ١٦٥] وعِنْدَ الفِعْلِ لَمْ يَقُلْ حَبَّهُ اللَّهُ بَلْ قالَ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾[ المائِدَةِ: ٥٤]، وقالَ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكُمْ﴾[ الحُجُراتِ: ١٢] وقالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٩٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ سِرٌّ مِن عِلْمِ الصَّرْفِ وهو أنَّ المَصْدَرَ والفِعْلَ الماضِيَ الثُّلاثِيَّ فِيهِما خِلافٌ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الصَّرْفِ المَصْدَرُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفِعْلِ الماضِي، والماضِي هو الأصْلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ، لَفْظِيٌّ ومَعْنَوِيٌّ:
أمّا اللَّفْظِيُّ فَإنَّهم يَقُولُونَ مَصْدَرُ فَعَلَ يَفْعِلُ إذا كانَ مُتَعَدِّيًا فَعْلًا بِسُكُونِ العَيْنِ، وإذا كانَ لازِمًا فُعُولٌ في الأكْثَرِ، ولا يَقُولُونَ الفِعْلُ الماضِي مِن فُعُولٍ فُعْلى، وهَذا دَلِيلُ ما ذَكَرْنا.
وأمّا المَعْنَوِيُّ فَلِأنَّ ما يُوجَدُ مِنَ الأُمُورِ لا يُوجَدُ إلّا وهو خاصٌّ، وفي ضِمْنِهِ العامُّ مِثالُهُ الإنْسانُ الَّذِي يُوجَدُ ويَتَحَقَّقُ يَكُونُ زَيْدًا أوْ عَمْرًا أوْ غَيْرَهُما، ويَكُونُ في ضِمْنِهِ أنَّهُ هِنْدِيٌّ أوْ تُرْكِيٌّ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ أنَّهُ حَيَوانٌ وناطِقٌ، ولا يُوجَدُ أوَّلًا إنْسانٌ ثُمَّ يَصِيرُ تُرْكِيًّا ثُمَّ يَصِيرُ زَيْدًا أوْ عَمْرًا.
إذا عَلِمْتَ هَذا فالفِعْلُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ لا يَنْفَكُّ مِن أنْ يَكُونَ ماضِيًا أوْ مُسْتَقْبَلًا، وفي ضِمْنِهِ أنَّهُ فِعْلٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُضِيِّهِ واسْتِقْبالِهِ، مِثالُهُ الضَّرْبُ إذا وُجِدَ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ مَضى أوْ بَعْدُ لَمْ يَمْضِ، والأوَّلُ ماضٍ والثّانِي حاضِرٌ أوْ مُسْتَقْبَلٌ، ولا يُوجَدُ الضَّرْبُ مِن حَيْثُ إنَّهُ ضَرْبٌ خالِيًا عَنِ المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ، غَيْرَ أنَّ العاقِلَ يُدْرِكُ مِن فَعَلَ وهو يَفْعَلُ الآنَ وسَيَفْعَلُ غَدًا أمْرًا مُشْتَرَكًا فَيُسَمِّيهِ فِعْلًا، كَذَلِكَ يُدْرِكُ في ضَرَبَ وهو يَضْرِبُ الآنَ وسَيَضْرِبُ غَدًا أمْرًا مُشْتَرَكًا فَيُسَمِّيهِ ضَرْبًا فَضَرَبَ يُوجَدُ أوَّلًا ويُسْتَخْرَجُ مِنهُ الضَّرْبُ، والألْفاظُ
صفحة ٢٤٥
وُضِعَتْ لِأُمُورٍ تَتَحَقَّقُ فِيها فَيُعَبَّرُ بِها عَنْها، والأُمُورُ المُشْتَرَكَةُ لا تَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ أشْياءَ أُخَرَ، فالوَضْعُ أوَّلًا لِما يُوجَدُ مِنهُ لا يُدْرَكُ مِنهُ قَبْلَ الضَّرْبِ، وهَذا ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لِمَن يَقُولُ الماضِي أصْلٌ والمَصْدَرُ مَأْخُوذٌ مِنهُ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ المَصْدَرُ أصْلٌ والماضِي مَأْخُوذٌ مِنهُ فَلَهُ دَلائِلُ مِنها أنَّ الِاسْمَ أصْلٌ، والفِعْلَ مُتَفَرِّعٌ، والمَصْدَرُ اسْمٌ، ولِأنَّ المَصْدَرَ مُعْرَبٌ والماضِي مَبْنِيٌّ، والإعْرابُ قَبْلَ البِناءِ ولِأنَّ قالَ وقالَ، وراعَ وراعَ، إذا أرَدْنا الفَرْقَ بَيْنَهُما نَرُدُّ أبْنِيَتَهُما إلى المَصْدَرِ فَنَقُولُ: قالَ: الألِفُ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ بِدَلِيلِ القَوْلِ، وقالَ: ألِفٌ مُنْقَلِبَةٌ