< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أغْنى وأقْنى﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ فَنَقُولُ: ”أغْنى“ يَعْنِي دَفَعَ حاجَتَهُ ولَمْ يَتْرُكْهُ مُحْتاجًا؛ لِأنَّ الفَقِيرَ في مُقابَلَةِ الغَنِيِّ، فَمَن لَمْ يَبْقَ فَقِيرًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهو غَنِيٌّ مُطْلَقًا، ومَن لَمْ يَبْقَ فَقِيرًا مِن وجْهٍ

صفحة ٢١

فَهُوَ غَنِيٌّ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ، قالَ ﷺ: ”«أغْنُوهم عَنِ المَسْألَةِ في هَذا اليَوْمِ» “ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى زَكاةِ الفِطْرِ، ومَعْناهُ إذا أتاهُ ما احْتاجَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْنى﴾ مَعْناهُ وزادَ عَلَيْهِ الإقْناءُ فَوْقَ الإغْناءِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ الحُرُوفَ مُتَناسِبَةٌ في المَعْنى، فَنَقُولُ: لَمّا كانَ مَخْرَجُ القافِ فَوْقَ مَخْرَجِ الغَيْنِ جَعَلَ الإقْناءَ لِحالَةٍ فَوْقَ الإغْناءِ، وعَلى هَذا فالإغْناءُ هو ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العَيْنِ واللِّسانِ، وهَداهُ إلى الِارْتِضاعِ في صِباهُ أوْ هو ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوتِ واللِّباسِ المُحْتاجِ إلَيْهِما، وفي الجُمْلَةِ كُلُّ ما دَفَعَ اللَّهُ بِهِ الحاجَةَ فَهو إغْناءٌ، وكُلُّ ما زادَ عَلَيْهِ فَهو إقْناءٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ إشارَةٌ إلى فَسادِ قَوْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الفَقْرَ والغِنى بِكَسْبِ الإنْسانِ واجْتِهادِهِ فَمَن كَسَبَ اسْتَغْنى، ومَن كَسِلَ افْتَقَرَ، وبَعْضَهم يَذْهَبُ إلى أنَّ ذَلِكَ بِالبَخْتِ، وذَلِكَ بِالنُّجُومِ، فَقالَ: ﴿هُوَ أغْنى وأقْنى﴾ وإنَّ قائِلَ الغِنى بِالنُّجُومِ غالِطٌ، فَنَقُولُ: هو رَبُّ النُّجُومِ وهو مُحَرِّكُها، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ أُكِّدَ بِالفَصْلِ، والشِّعْرى نَجْمٌ مُضِيءٌ، وفي النُّجُومِ شِعْرَيانِ إحْداهُما شامِيَّةٌ والأُخْرى يَمانِيَّةٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ اليَمانِيَّةُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ: ﴿أغْنى وأقْنى﴾ وكانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ لا بِعَطاءِ الشِّعْرى، وجَبَ الشُّكْرُ لِمَن قَدْ أهْلَكَ وكَفى لَهم دَلِيلًا حالُ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ: و﴿عادًا الأُولى﴾ قِيلَ: بِالأُولى تَمَيَّزَتْ مِن قَوْمٍ كانُوا بِمَكَّةَ هم عادٌ الآخِرَةُ، وقِيلَ: الأُولى لِبَيانِ تَقَدُّمِهِمْ لا لِتَمْيِيزِهِمْ، تَقُولُ: زَيْدٌ العالِمُ جاءَنِي فَتَصِفُهُ لا لِتُمَيِّزَهُ ولَكِنْ لِتُبَيِّنَ عِلْمَهُ، وفِيهِ قِراءاتٌ ”عادًا الأُولى“ بِكَسْرِ نُونِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و”عادَ الأُولى“ بِإسْقاطِ نُونِ التَّنْوِينِ أيْضًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَقِراءَةِ ”عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ“ و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾[الإخلاص: ١، ٢] و”عادًا لُولى“ بِإدْغامِ النُّونِ في اللّامِ، ونَقْلِ ضَمَّةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ و”عادًا لْؤُلى“ بِهَمْزَةِ الواوِ، وقَرَأ هَذا القارِئُ ”عَلى سُؤْقِهِ“ ودَلِيلُهُ ضَعِيفٌ وهو يَحْتَمِلُ هَذا في مَوْضِعِ ”المُؤْقَدَةُ“ و”المُؤْصَدَةُ“ لِلضَّمَّةِ والواوُ فَهي في هَذا المَوْضِعِ تُجْزِي عَلى الهَمْزَةِ، وكَذا في ”سُؤْقِهِ“ لِوُجُودِ الهَمْزَةِ في الأصْلِ، وفي مُوسى. وقَوْلُهُ لا يَحْسُنُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ يَعْنِي وأهْلَكَ ثَمُودَ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أبْقى﴾ عائِدٌ إلى عادٍ وثَمُودَ أيْ فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: فَما أبْقاهم أيْ فَما أبْقى مِنهم أحَدًا ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾[الحاقة: ٨] وتَمَسَّكَ الحَجّاجُ عَلى مَن قالَ: إنَّ ثَقِيفًا مِن ثَمُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أبْقى﴾ .

﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ أهْلَكَهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ والمَسْألَةُ مَشْهُورَةٌ في ”قَبْلُ“، و”بَعْدُ“ تُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ فَتَصِيرُ كالغايَةِ فَتُبْنى عَلى الضَّمَّةِ. أمّا البِناءُ فَلِتَضَمُّنَهُ الإضافَةَ، وأمّا عَلى الضَّمَّةِ فَلِأنَّها لَوْ بُنِيَتْ عَلى الفُتْحَةِ لَكانَ قَدْ أثْبَتَ فِيهِ ما يَسْتَحِقُّهُ بِالإعْرابِ مِن حَيْثُ إنَّها ظُرُوفُ زَمانٍ فَتَسْتَحِقُّ النَّصْبَ والفَتْحَ مِثْلَهُ، ولَوْ بُنِيَتْ عَلى الكَسْرِ لَكانَ الأمْرُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ وهو الجَرُّ بِالجارِّ فَبُنِيَ عَلى ما يُخالِفُ حالَتَيْ إعْرابِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾أمّا الظُّلْمُ فَلِأنَّهم هُمُ البادِئُونَ بِهِ