< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الرَّسُولِ ﷺ وأُمِرَ بِالإعْراضِ، وأمّا هُناكَ فَقالَ تَعالى مِن قَبْلُ:﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾[الأنعام: ١١٦] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ﴾ بِمَعْنى إنْ ضَلَلْتَ يَعْلَمُكَ اللَّهُ، فَكانَ الضَّلالُ غَيْرَ حاصِلٍ فِيهِ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْ صِيغَةَ الماضِي.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِهِ ولَمْ يَقُلْ في الِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِهِ؛ لِأنَّ الضَّلالَ عَنِ السَّبِيلِ هو الضَّلالُ وهو كافٍ في الضَّلالِ؛ لِأنَّ الضَّلالَ لا يَكُونُ إلّا في السَّبِيلِ، وأمّا بَعْدَ الوُصُولِ فَلا ضَلالَ أوْ لِأنَّ

صفحة ٦

مَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ لا يَصِلُ إلى المَقْصُودِ سَواءٌ سَلَكَ سَبِيلًا أوْ لَمْ يَسْلُكْ، وأمّا مَنِ اهْتَدى إلى سَبِيلٍ فَلا وُصُولَ إنْ لَمْ يَسْلُكْهُ، ويُصَحِّحُ هَذا أنَّ مَن ضَلَّ في غَيْرِ سَبِيلِهِ فَهو ضالٌّ، ومَنِ اهْتَدى إلَيْها لا يَكُونُ مُهْتَدِيًا إلّا إذا اهْتَدى إلى كُلِّ مَسْألَةٍ يَضُرُّ الجَهْلُ بِها بِالإيمانِ، فَكانَ الِاهْتِداءُ اليَقِينِيُّ هو الِاهْتِداءُ المُطْلَقُ فَقالَ: ﴿بِمَنِ اهْتَدى﴾ وقالَ: ﴿بِالمُهْتَدِينَ﴾[الأنعام: ١١٧]

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ غِناهُ وقُدْرَتِهِ لِيَذْكُرَ بَعْدَ ذَلِكَ ويَقُولَ: إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مِنَ الغَنِيِّ القادِرِ لِأنَّ مَن عَلِمَ ولَمْ يَقْدِرْ لا يَتَحَقَّقُ مِنهُ الجَزاءُ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُعْتَقَدُ أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾[النحل: ٨] وهو جَرى في ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ خَلَقَ ما فِيهِما لِغَرَضِ الجَزاءِ، وهو لا يَتَحاشى مِمّا ذَكَرَهُ لِما عُرِفَ مِن مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾[القصص: ٨] أيْ أخَذُوهُ وعاقِبَتُهُ أنَّهُ يَكُونُ لَهم عَدُوًّا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ وهو أنَّ حَتّى ولامَ الغَرَضِ مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ لِأنَّ الغَرَضَ نِهايَةُ الفِعْلِ، و”حَتّى“ لِلْغايَةِ المُطْلَقَةِ فَبَيْنَهُما مُقارَبَةٌ فَيُسْتَعْمَلُ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ، يُقالُ: سِرْتُ حَتّى أدْخُلَها ولِكَيْ أدْخُلَها، فَلامُ العاقِبَةِ هي الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعِ حَتّى لِلْغايَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هُنا وجْهٌ أقْرَبُ مِنَ الوَجْهَيْنِ وإنْ كانَ أخْفى مِنهُما وهو أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ضَلَّ واهْتَدى لا بِالعِلْمِ ولا بِخَلْقِ ما في السَّماواتِ، تَقْدِيرُهُ كَأنَّهُ قالَ: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ واهْتَدى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ أنَّ مَن ضَلَّ واهْتَدى يُجْزى الجَزاءَ واللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامًا مُعْتَرِضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ﴾ أيْ أعْرِضْ عَنْهم لِيَقَعَ الجَزاءُ، كَما يَقُولُ المُرِيدُ فِعْلًا لِمَن يَمْنَعُهُ مِنهُ: ذَرْنِي لِأفْعَلَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ ما دامَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَيْئَسْ ما كانَ العَذابُ يَنْزِلُ والإعْراضُ وقْتَ اليَأْسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَذْكُورًا لِيَعْلَمَ أنَّ العَذابَ الَّذِي عِنْدَ إعْراضِهِ يَتَحَقَّقُ لَيْسَ مِثْلَ الَّذِي قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾[الأنفال: ٢٥] بَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا وغَيْرُهم لَهُمُ الحُسْنى، وقَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ المُسِيءِ: ﴿بِما عَمِلُوا﴾ وفي حَقِّ المُحْسِنِ ﴿بِالحُسْنى﴾فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ لِأنَّ جَزاءَ المُسِيءِ عَذابٌ فَنَبَّهَ عَلى ما يَدْفَعُ الظُّلْمَ فَقالَ: لا يُعَذِّبُ إلّا عَنْ ذَنْبٍ، وأمّا في الحُسْنى فَلَمْ يَقُلْ بِما عَمِلُوا؛ لِأنَّ الثَّوابَ إنْ كانَ لا عَلى حَسَنَةٍ يَكُونُ في غايَةِ الفَضْلِ فَلا