< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَجَزُوا عَنِ المُداواةِ بِالمَشْرُوباتِ وغَيْرِها عَدَلُوا إلى الحَدِيدِ والكَيِّ، وقِيلَ آخِرُ الدَّواءِ الكَيُّ، فالنَّبِيُّ ﷺ أوَّلًا أمَرَ القُلُوبَ بِذِكْرِ اللَّهِ فَحَسْبُ فَإنَّ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾[ الرَّعْدِ: ٢٨] كَما أنَّ بِالغِذاءِ تَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ، فالذِّكْرُ غِذاءُ القَلْبِ، ولِهَذا قالَ أوَّلًا: قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أمَرَ بِالذِّكْرِ لِمَنِ انْتَفَعَ مِثْلُ أبِي بَكْرٍ وغَيْرِهِ مِمَّنِ انْتَفَعَ، ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ، وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾[ الأعْرافِ: ١٨٤]﴿قُلِ انْظُرُوا﴾[ يُونُسَ: ١٠١]﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾[ الغاشِيَةِ: ١٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ أتى بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، فَلَمّا لَمْ يَنْفَعْهم قالَ: أعْرِضْ عَنِ المُعالَجَةِ، واقْطَعِ الفاسِدَ لِئَلّا يُفْسِدَ الصّالِحَ.

تَمَّ الجُزْءُ الثّامِنُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ الجُزْءُ التّاسِعُ والعِشْرُونَ وأوَّلُهُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى (ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ)

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ ”ذَلِكَ“ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أظْهَرُها أنَّهُ عائِدٌ إلى الظَّنِّ، أيْ غايَةُ ما يَبْلُغُونَ بِهِ أنَّهم يَأْخُذُونَ بِالظَّنِّ.

وثانِيها: إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ، أيْ ذَلِكَ الإيثارُ غايَةُ ما بَلَغُوهُ مِنَ العِلْمِ.

ثالِثُها: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى﴾[النجم: ٢٩] وذَلِكَ الإعْراضُ غايَةُ ما بَلَغُوهُ مِنَ العِلْمِ، والعِلْمُ عَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنهُ العِلْمَ بِالمَعْلُومِ، وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، والعِلْمُ بِالمَعْلُومِ هو ما في القُرْآنِ، وتَقْرِيرُ هَذا أنَّ القُرْآنَ لَمّا ورَدَ بَعْضُهم تَلَقّاهُ بِالقَبُولِ وانْشَرَحَ صَدْرُهُ فَبَلَغَ الغايَةَ القُصْوى، وبَعْضُهم قَبِلَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُعْجِزَةٌ، واتَّبَعَ الرَّسُولَ فَبَلَغَ الدَّرَجَةَ الوُسْطى، وبَعْضُهم تَوَقَّفَ فِيهِ كَأبِي طالِبٍ، وذَلِكَ أدْنى المَراتِبِ، وبَعْضُهم رَدَّهُ وعابَهُ، فالأوَّلُونَ لَمْ يَجُزِ الإعْراضُ عَنْهم، والآخَرُونَ وجَبَ الإعْراضُ عَنْهم، وكانَ مَوْضِعُ بُلُوغِهِ مِنَ العِلْمِ أنَّهُ قَطَعَ الكَلامَ مَعَهُ الإعْراضُ عَنْهُ، وعَلَيْهِ سُؤالٌ وهو: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ غايَتَهم ذَلِكَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾[البقرة: ٢٨٦] والمَجْنُونُ الَّذِي لا عِلْمَ لَهُ، والصَّبِيُّ لا يُؤْمَرُ بِما فَوْقَ احْتِمالِهِ فَكَيْفَ يُعاقِبُهُمُ اللَّهُ ؟

نَقُولُ: ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهم تَوَلَّوْا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَكَأنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمُ العِلْمَ، وإنَّما قَدَّرَ اللَّهُ تَوَلِّيَهم لِيُضافَ الجَهْلُ إلى ذَلِكَ فَيُحَقِّقَ العِقابَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ“ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ، والمُتَّصِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾[النجم: ٢٩] وعَلى ما ذَكَرْنا المَقْصُودُ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، يَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أعْرِضْ عَنْهم فَإنَّ ذَلِكَ غايَتُهم، ولا يُوجَدُ وراءَ ما ظَهَرَ مِنهم شَيْءٌ، وكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَنْ مَن تَوَلّى﴾ إشارَةٌ إلى قَطْعِ عُذْرِهِمْ بِسَبَبِ الجَهْلِ، فَإنَّ الجَهْلَ كانَ بِالتَّوَلِّي وإيثارِ العاجِلِ.

ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ وفي المُناسَبَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أعْرِضْ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ المَيْلِ إلى إيمانِ قَوْمِهِ وكانَ رُبَّما هَجَسَ في خاطِرِهِ أنَّ في الذِّكْرى بَعْدُ مَنفَعَةٌ، ورُبَّما يُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِينَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِن غَيْرِ قِتالٍ فَقالَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عَلِمَ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ بِمُجَرَّدِ الدُّعاءِ [كُلُّ] أحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وإنَّما يَنْفَعُ فِيهِمْ أنْ يَقَعَ السَّيْفُ والقِتالُ فَأعْرِضْ عَنِ الجِدالِ وأقْبِلْ عَلى القِتالِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿بِمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ عَلِمَ في الأزَلِ مَن ضَلَّ في تَقْدِيرِهِ ومَنِ اهْتَدى، فَلا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الأمْرانِ، ولا يَأْسَ في الإعْراضِ ويُعَدُّ في العُرْفِ مَصْلَحَةً.

ثانِيها: هو

صفحة ٤

عَلى مَعْنى