< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah053
An-Najm (53)
The Star, makkah, 62 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنَّ دَعْواهم أنَّ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا لا أنَّ شَفاعَتَهم تَنْفَعُ أوْ تُغْنِي، وقالَ تَعالى في مَواضِعَ أُخْرى﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾[ البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَنَفى الشَّفاعَةَ بِدُونِ الإذْنِ وقالَ: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾[ الأنْعامِ: ٥١] نَفى الشَّفِيعَ وهاهُنا نَفى الإغْناءَ ؟ نَقُولُ: هم كانُوا يَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا وكانُوا يَعْتَقِدُونَ نَفْعَ شَفاعَتِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾[ الزُّمَرِ: ٣] ثُمَّ نَقُولُ نَفْيُ دَعْواهم يَشْتَمِلُ عَلى فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ، أمّا نَفْيُ دَعْواهم لِأنَّهم قالُوا: الأصْنامُ تَشْفَعُ لَنا شَفاعَةً مُقَرِّبَةً مُغْنِيَةً فَقالَ: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ بِدَلِيلِ أنَّ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ لا تُغْنِي، وأمّا الفائِدَةُ فَلِأنَّهُ لَمّا اسْتَثْنى بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ أيْ فَيَشْفَعُ، ولَكِنْ لا يَكُونُ فِيهِ بَيانُ أنَّها تُقْبَلُ وتُغْنِي أوْ لا تُقْبَلُ، فَإذا قالَ: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ فَيَكُونُ مَعْناهُ تُغْنِي فَيَحْصُلُ البِشارَةُ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾[ غافِرٍ: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾[ الشُّورى: ٥] والِاسْتِغْفارُ شَفاعَةٌ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾[ البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَلَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الشَّفاعَةِ وقَبُولَها كَما في هَذِهِ الآيَةِ، حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وإنَّما المُرادُ عَظَمَةُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَنْطِقُ في حَضْرَتِهِ أحَدٌ ولا يَتَكَلَّمُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ . [ النَّبَأِ: ٣٨]
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَتَعَلَّقَ بِالإذْنِ وهو عَلى طَرِيقَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يُقالَ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِنَ المَلائِكَةِ في الشَّفاعَةِ لِمَن يَشاءُ الشَّفاعَةَ ويَرْضى.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ الإذْنُ في المَشْفُوعِ لَهُ لِأنَّ الإذْنَ حاصِلٌ لِلْكُلِّ في الشَّفاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم جَمِيعَهم يَسْتَغْفِرُونَ لَهم فَلا مَعْنًى لِلتَّخْصِيصِ، ويُمْكِنُ أنْ يُنازَعَ فِيهِ.
وثانِيهِما: أنْ تَتَعَلَّقَ بِالإغْناءِ، يَعْنِي إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في الشَّفاعَةِ فَتُغْنِي شَفاعَتُهم لِمَن يَشاءُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ
صفحة ٢٦٥
يَقْتَضِي أنْ تَشْفَعَ المَلائِكَةُ، والإغْناءُ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن يَشاءُ، فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّ التَّنْبِيهَ عَلى مَعْنى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ المَلَكَ إذا شَفَعَ فاللَّهُ تَعالى عَلى مَشِيئَتِهِ بَعْدَ شَفاعَتِهِمْ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ.المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَرْضى﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ فائِدَةُ الإرْشادِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ كانَ المُكَلَّفُ مُتَرَدِّدًا لا يَعْلَمُ مَشِيئَتَهُ فَقالَ: ﴿ويَرْضى﴾ لِيَعْلَمَ أنَّهُ العابِدُ الشّاكِرُ لا المُعانِدُ الكافِرُ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾[ الزُّمَرِ: ٧] فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَرْضى﴾ بَيانًا لِمَن يَشاءُ، وجَوابٌ آخَرُ عَلى قَوْلِنا: لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا مِمَّنْ يَشاءُ، هو أنَّ فاعِلَ يَرْضى المَدْلُولُ عَلَيْهِ لِمَن يَشاءُ، كَأنَّهُ قالَ ويَرْضى هو أيْ تُغْنِيهِ الشَّفاعَةُ شَيْئًا صالِحًا فَيَحْصُلُ بِهِ رِضاهُ كَما قالَ: ويَرْضى هو أيْ تُغْنِيهِ الشَّفاعَةُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ يَرْضى لِلْبَيانِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ كانَ اللّازِمُ عِنْدَهُ بِالِاسْتِثْناءِ أنَّ شَفاعَتَهم تُغْنِي شَيْئًا ولَوْ كانَ قَلِيلًا ويَرْضى المَشْفُوعُ لَهُ لِيُعْلَمَ أنَّها تُغْنِي أكْثَرَ مِنَ اللّازِمِ بِالِاسْتِثْناءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ﴿ويَرْضى﴾لِتَبْيِينِ أنَّ قَوْلَهُ (يَشاءُ) لَيْسَ المُرادُ المَشِيئَةَ الَّتِي هي الرِّضا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا