< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ المَعْبُودَيْنِ بِالباطِلِ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ﴾ المَعْبُودَةَ الأُخْرى.

والجَوابُ الثّالِثُ: هو أنَّ الأصْنامَ كانَ فِيها كَثْرَةٌ، واللّاتُ والعُزّى إذا أُخِذَتا مُتَقَدِّمَتَيْنِ فَكُلُّ صَنَمَةٍ تُوجَدُ فَهي ثالِثَةٌ، فَهُناكَ ثَوالِثُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهُما ثَوالِثُ كَثِيرَةٌ وهَذِهِ ثالِثَةٌ أُخْرى، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ يَوْمًا ويَوْمًا.

والجَوابُ الرّابِعُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ ومَناةُ الأُخْرى الثّالِثَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الأُخْرى تُسْتَعْمَلُ لِمَوْهُومٍ أوْ مَفْهُومٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا ولا مَذْكُورًا، يَقُولُ مَن يَكْثُرُ تَأذِّيهِ مِنَ النّاسِ إذا آذاهُ إنْسانٌ: الآخَرُ جاءَ يُؤْذِينا، ورُبَّما يَسْكُتُ عَلى قَوْلِهِ أنْتَ الآخَرُ

صفحة ٢٥٦

فَيُفْهَمُ غَرَضُهُ كَذَلِكَ هاهُنا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي في التَّرْتِيبِ أوْلى ما فائِدَةُ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ وقَدِ اسْتُعْمِلَ في مَواضِعَ بِغَيْرِ الفاءِ ؟ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾[ الأحْقافِ: ٤]﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾[ فاطِرٍ: ٤٠]، نَقُولُ لَمّا قَدَّمَ مِن عَظَمَةِ آياتِ اللَّهِ في مَلَكُوتِهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ إلى الرُّسُلِ الَّذِي يَسُدُّ الآفاقَ بِبَعْضِ أجْنِحَتِهِ ويُهْلِكُ المَدائِنَ بِشِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَعَدّى السِّدْرَةَ في مَقامِ جَلالِ اللَّهِ وعِزَّتِهِ، قالَ أفَرَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ زِلَّتِها وحَقارَتِها شُرَكاءَ اللَّهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ بِالفاءِ أيْ عَقِيبَ ما سَمِعْتُمْ مِن عَظَمَةِ آياتِ اللَّهِ تَعالى الكُبْرى ونَفاذِ أمْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى وما تَحْتَ الثَّرى، فانْظُرُوا إلى اللّاتِ والعُزّى تَعْلَمُوا فَسادَ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ وعَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أيْنَ تَتِمَّةُ الكَلامِ الَّذِي يُفِيدُ فائِدَةً ما ؟ نَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ وهو أنَّهُ يَقُولُ هَلْ رَأيْتُمْ هَذِهِ حَقَّ الرُّؤْيَةِ، فَإنْ رَأيْتُمُوها عَلِمْتُمْ أنَّها لا تَصْلُحُ شُرَكاءَ، نَظِيرُهُ ما ذَكَرْنا فِيمَن يُنْكِرُ كَوْنَ ضَعِيفٍ يَدَّعِي مُلْكًا، يَقُولُ لِصاحِبِهِ أما تَعْرِفُ فُلانًا مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ مُشِيرًا إلى بُطْلانِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ.

﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ وقَدْ ذَكَرْنا ما يَجِبُ ذِكْرُهُ في سُورَةِ والطُّورِ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾[ الطُّورِ: ٣٩]ونُعِيدُ هاهُنا بَعْضَ ذَلِكَ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي رَأيْتُمُوها وعَرَفْتُمُوها تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وقَدْ سَمِعْتُمْ جَلالَ اللَّهِ وعَظَمَتَهُ وإنَّ المَلائِكَةَ مَعَ رِفْعَتِهِمْ وعُلُوِّهِمْ يَنْتَهُونَ إلى السِّدْرَةِ ويَقِفُونَ هُناكَ لا يَبْقى شَكٌّ في كَوْنِهِمْ بَعِيدِينَ عَنْ طَرِيقَةِ المَعْقُولِ أكْثَرَ مِمّا بَعُدُوا عَنْ طَرِيقَةِ المَنقُولِ، فَكَأنَّهم قالُوا نَحْنُ لا نَشُكُّ أنَّ شَيْئًا مِنها لَيْسَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى ولا قَرِيبًا مِن أنْ يُماثِلَهُ، وإنَّما صَوَّرْنا هَذِهِ الأشْياءَ عَلى صُوَرِ المَلائِكَةِ المُعَظَّمِينَ الَّذِينَ اعْتَرَفَ بِهِمُ الأنْبِياءُ، وقالُوا إنَّهم يَرْتَقُونَ ويَقِفُونَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى ويَرِدُ عَلَيْهِمُ الأمْرُ والنَّهْيُ ويُنْهُونَ إلى اللَّهِ ما يَصْدُرُ مِن عِبادِهِ في أرْضِهِ وهم بَناتُ اللَّهِ، فاتَّخَذْنا صُوَرًا عَلى صُوَرِ الإناثِ وسَمَّيْناها أسْماءَ الإناثِ، فاللّاتُ تَأْنِيثُ اللَّوَةِ وكانَ أصْلُهُ أنْ يُقالَ اللّاهَةُ لَكِنَّ في التَّأْنِيثِ يُوقَفُ عَلَيْها فَتَصِيرُ اللّاهَةُ فَأُسْقِطَ إحْدى الهاءَيْنِ وبَقِيَتِ الكَلِمَةُ عَلى حَرْفَيْنِ أصْلِيَّيْنِ وتاءِ التَّأْنِيثِ، فَجَعَلْناها كالأصْلِيَّةِ كَما فَعَلْنا بِذاتِ مالٍ وذا مالِ، والعُزّى تَأْنِيثُ الأعَزِّ، فَقالَ لَهم كَيْفَ جَعَلْتُمْ لِلَّهِ بَناتٍ وقَدِ اعْتَرَفْتُمْ في أنْفُسِكم أنَّ البَناتِ ناقِصاتٌ والبَنِينَ كامِلُونَ، واللَّهُ كامِلُ العَظَمَةِ فالمَنسُوبُ إلَيْهِ كَيْفَ جَعَلْتُمُوهُ ناقِصًا وأنْتُمْ في غايَةِ الحَقارَةِ والذِّلَّةِ حَيْثُ جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم أذَلَّ مِن حِمارٍ وعَبْدٍ ثُمَّ صَخْرَةٍ وشَجَرَةٍ ثُمَّ نَسَبْتُمْ إلى أنْفُسِكُمُ الكامِلَ، فَهَذِهِ القِسْمَةُ جائِرَةٌ عَلى طَرِيقِكم أيْضًا حَيْثُ أذْلَلْتُمْ أنْفُسَكم ونَسَبْتُمْ إلَيْها الأعْظَمَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وأبْغَضْتُمُ البَناتِ