< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah053
An-Najm (53)
The Star, makkah, 62 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عِنْدَ كَشْفِ رَأْسِها أصْلًا فَكانَ يَشْتَبِهُ بِالمَلائِكَةِ فَيَحْصُلُ اللَّبْسُ والإبْهامُ ؟ والجَوابُ الصَّحِيحُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ عَلى يَدِ جِبْرِيلَ مُعْجِزَةً عَرَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِها كَما أظْهَرَ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ مُعْجِزاتٍ عَرَفْناهُ بِها.
وثانِيهِما: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّ جِبْرِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَلَكٌ لا جِنِّيٌّ ولا شَيْطانٌ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جِبْرِيلَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أنَّ المُتَكَلِّمَ مَعَهُ هو اللَّهُ تَعالى وأنَّ المُرْسِلَ لَهُ رَبُّهُ لا غَيْرُهُ. إذا عُلِمَ الجَوابانِ فَنَقُولُ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما أوْحاهُ إلى جِبْرِيلَ أيْ كَلَّمَهُ اللَّهُ أنَّهُ وحْيٌ أوْ خَلَقَ فِيهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا.
ثانِيهِما: أوْحى إلى جِبْرِيلَ ما أوْحى إلى مُحَمَّدٍ دَلِيلَهُ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ أنَّهُ وحْيٌ، فَعَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ ما مَصْدَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ فَأوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ الإيحاءَ أيِ العِلْمَ بِالإيحاءِ، لِيُفَرِّقَ بَيْنَ المَلَكِ والجِنِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: الفُؤادُ فُؤادُ مَن ؟ نَقُولُ المَشْهُورُ أنَّهُ فُؤادُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعْناهُ أنَّهُ ما كَذَبَ فُؤادُهُ واللّامُ لِتَعْرِيفِ ما عُلِمَ حالُهُ لِسَبْقِ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ وفي قَوْلِهِ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ أيْ جِنْسُ الفُؤادِ لِأنَّ المُكَذَّبَ هو الوَهْمُ والخَيالُ يَقُولُ كَيْفَ يَرى اللَّهَ أوْ كَيْفَ يَرى جِبْرِيلَ مَعَ أنَّهُ ألْطَفُ مِنَ الهَوى، والهَواءُ لا يُرى، وكَذَلِكَ يَقُولُ الوَهْمُ والخَيالُ إنْ رَأى رَبَّهُ رَآهُ في جِهَةٍ ومَكانٍ وعَلى هَيْئَةٍ، والكُلُّ يُنافِي كَوْنَ المَرْئِيِّ إلَهًا، ولَوْ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ صارَ عَلى صُورَةِ دِحْيَةَ أوْ غَيْرِهِ فَقَدِ انْقَلَبَتْ حَقِيقَتُهُ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لارْتَفَعَ الأمانُ عَنِ المَرْئِيّاتِ، فَنَقُولُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ورُؤْيَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَآهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جائِزَةٌ عِنْدَ مَن لَهُ قَلْبٌ، فالفُؤادُ لا يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتِ النَّفْسُ المُتَوَهِّمَةُ والمُتَخَيِّلَةُ تُنْكِرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مَعْنى ﴿ما كَذَبَ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو أنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَكْذِبْ وما قالَ إنَّ ما رَآهُ بَصَرُكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولَوْ قالَ فُؤادُهُ ذَلِكَ لَكانَ كاذِبًا فِيما قالَهُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ المُبَرِّدُ حَيْثُ قالَ: مَعْناهُ صَدَقَ الفُؤادُ فِيما رَأى، [ رَأى] شَيْئًا فَصَدَقَ فِيهِ.
الثّانِي: قُرِئَ ”ما كَذَّبَ الفُؤادُ“ بِالتَّشْدِيدِ ومَعْناهُ ما قالَ إنَّ المَرْئِيَّ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ.
الثّالِثُ: هو أنَّ هَذا مُقَرِّرٌ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِخَيالٍ ولَيْسَ هو عَلى ما ذَكَرْنا قَصْدَ الحَقِّ، وتَقْدِيرُهُ ما جَوَّزَ أنْ يَكُونَ كاذِبًا وفي الوُقُوعِ وإرادَةِ نَفْيِ الجَوازِ كَثِيرٌ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾[ غافِرٍ: ١٦] وقالَ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾[ الأنْعامِ: ١٠٣] وقالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ﴾[ الأنْعامِ: ١٣٢] والكُلُّ لِنَفِيَ الجَوازِ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾[ يُوسُفَ: ٥٦]﴿لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾، ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾[ النِّساءِ: ٤٨] فَإنَّهُ لِنَفْيِ الوُقُوعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرّائِي في قَوْلِهِ ﴿ما رَأى﴾ هو الفُؤادُ أوِ البَصَرُ أوْ غَيْرُهُما ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الفُؤادُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ما رَآهُ الفُؤادُ أيْ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ جِنِّيٌّ