< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah051
Adh-Dhaariyat (51)
The Winnowing Winds, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ويَنْتَصِرُ بِكُلِّ ما يُمْكِنُهُ لِأنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الرُّوحِ وهم مَعَ ذَلِكَ ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ ما هو بِمُنْتَصِرٍ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ ما انْتَصَرَ ولا يَنْتَصِرُ والجَوابُ تُرِكَ مَعَ كَوْنِهِ يَجِبُ تَقْدِيرُهُ وقَوْلُهُ:﴿انْتَصَرَ﴾[ الشُّورى: ٤١] أيْ لِشَيْءٍ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، كَما تَقُولُ فُلانٌ لا يَنْصُرُ أوْ فُلانٌ لَيْسَ يَنْصُرُ.
* *
* * *ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ قُرِئَ:”قَوْمَ“ بِالجَرِّ والنَّصْبِ فَما وجْهُهُما ؟
نَقُولُ: أمّا الجَرُّ فَظاهِرٌ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: وفي عادٍ وفي مُوسى، تَقُولُ لَكَ في فُلانٍ عِبْرَةٌ وفي فُلانٍ وفُلانٍ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى تَقْدِيرِ: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ دَلَّ عَلى الهَلاكِ فَهو عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ مَعْناهُ ظاهِرٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: ”وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ“ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَتَقْدِيرُهُ: وفي قَوْمِ نُوحٍ لَكم عِبْرَةٌ مِن قَبْلِ ثَمُودَ وعادٍ وغَيْرِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ . وهو بَيانٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، وما تَقَدَّمَ كانَ بَيانًا لِلْحَشْرِ.وأمّا قَوْلُهُ هَهُنا: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ أنَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما خَلَقُوا مِنها شَيْئًا فَلا يَصِحُّ الإشْراكُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ هَذا عَوْدٌ بَعْدَ التَّهْدِيدِ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ، وبِناءُ السَّماءِ دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ ثانِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾[يس: ٨١] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: النَّصْبُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يُخْتارُ في مَواضِعَ، وإذا كانَ العَطْفُ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فَما تِلْكَ الجُمْلَةُ ؟ نَقُولُ في بَعْضِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعادٍ وثَمُودَ﴾[التَّوْبَةِ: ٧٠ ] تَقْدِيرُهُ وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ عادٍ وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ ثَمُودَ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ ما تَقَدَّمَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لا خَفاءَ فِيهِ، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ فالجارُّ والمَجْرُورُ النَّصْبُ أقْرَبُ مِنهُ إلى الرَّفْعِ فَكانَ عَطْفًا عَلى ما بِالنَّصْبِ أوْلى، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿أرْسَلْنا﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ و﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾ كُلُّها فِعْلِيّاتٌ فَصارَ النَّصْبُ مُخْتارًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَرَّرَ ذِكْرَ البِناءِ في السَّماواتِ، قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾[الشمس: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾[النازعات: ٢٧] وقالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾[غافر: ٦٥] فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: أنَّ البِناءَ باقٍ إلى قِيامِ القِيامَةِ لَمْ يَسْقُطْ مِنهُ شَيْءٌ ولَمْ يُعْدَمْ مِنهُ جُزْءٌ، وأمّا الأرْضُ فَهي في التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَهي كالفَرْشِ الَّذِي يُبْسَطُ ويُطْوى ويُنْقَلُ، والسَّماءُ كالبِناءِ المَبْنِيِّ الثّابِتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبْعًا شِدادًا﴾[النبأ: ١٢] وأمّا الأراضِي فَكَمْ مِنها ما صارَ بَحْرًا وعادَ أرْضًا مِن وقْتِ حُدُوثِها.
ثانِيها: أنَّ السَّماءَ تُرى كالقُبَّةِ المَبْنِيَّةِ فَوْقَ الرُّءُوسِ، والأرْضَ مَبْسُوطَةٌ مَدْحُوَّةٌ، والبِناءُ بِالمَرْفُوعِ ألْيَقُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾[النازعات: ٢٨] .
ثالِثُها: قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: السَّماءُ مَسْكَنُ الأرْواحِ والأرْضُ
صفحة ١٩٤
مَوْضِعُ الأعْمالِ والمَسْكَنُ ألْيَقُ بِكَوْنِهِ بِناءً واللَّهُ أعْلَمُ.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأصْلُ تَقْدِيمُ العامِلِ عَلى المَعْمُولِ والفِعْلُ هو العامِلُ فَقَوْلُهُ: ”بَنَيْنا“ عامِلٌ في السَّماءِ، فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ ولَوْ قالَ: وبَنَيْنا السَّماءَ بِأيْدٍ، كانَ أوْجَزَ ؟ نَقُولُ الصّانِعُ قَبْلَ الصُّنْعِ عِنْدَ النّاظِرِ في المَعْرِفَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ إثْباتُ العِلْمِ بِالصّانِعِ، قُدِّمَ الدَّلِيلُ فَقالَ والسَّماءَ المُزَيَّنَةَ الَّتِي لا