< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


هو العَظِيمُ، فَلِأنَّ القُرْآنَ عَظِيمُ الفائِدَةِ، ولِأنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ العَظِيمِ، وذِكْرُ العَظِيمِ عَظِيمٌ، ولِأنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ، وهو آيَةُ العَظَمَةِ، يُقالُ: مَلِكٌ عَظِيمٌ، إذا لَمْ يَكُنْ يُغْلَبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾[الحجر: ٨٧] أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى مَثَلِهِ أحَدٌ لِيُكُونَ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى نُبُوَّتِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾[البروج: ٢٢] أيْ مَحْفُوظٌ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا بِإطْلاعِهِ تَعالى، فَلا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ، و﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾[فصلت: ٤٢] فَهو غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَهو عَظِيمٌ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: المَجِيدُ هو كَثِيرُ الكَرَمِ، فالقُرْآنُ كَرِيمٌ، كُلُّ مَن طَلَبَ مِنهُ مَقْصُودَهُ وجَدَهُ، وإنَّهُ مُغْنٍ كُلَّ مَن لاذَ بِهِ، وإغْناءُ المُحْتاجِ غايَةُ الكَرَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المَجِيدَ مَقْرُونٌ بِالحَمِيدِ في قَوْلِنا: إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، فالحَمِيدُ هو المَشْكُورُ، والشُّكْرُ عَلى الإنْعامِ والمُنْعِمُ كَرِيمٌ، فالمَجِيدُ هو الكَرِيمُ البالِغُ في الكَرَمِ، وفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: القُرْآنُ مُقْسَمٌ بِهِ، فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ وضَبْطُها بِأنْ نَقُولَ: ذَلِكَ إمّا أنْ يُفْهَمَ بِقَرِينَةٍ حالِيَّةٍ أوْ قَرِينَةٍ مَقالِيَّةٍ، والمَقالِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى المُقْسَمِ بِهِ أوْ مُتَأخِّرَةً، فَإنْ قُلْنا بِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِن قَرِينَةٍ مَقالِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَلا مُتَقَدِّمَ هُناكَ لَفْظًا إلّا ﴿ق﴾ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هَذا ق والقُرْآنِ المَجِيدِ، أوْ ”ق“ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ﴾ كَما يَقُولُ هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، أيْ هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ، ويَقُولُ: الهِلالُ رَأيْتُهُ واللَّهِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِن قَرِينَةٍ مَقالِيَّةٍ مُتَأخِّرَةٍ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ أمْرانِ: أحَدُهُما: المُنْذِرُ، والثّانِي: الرَّجْعُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ المَجِيدِ إنَّكَ المُنْذِرُ، أوْ: والقُرْآنِ المَجِيدِ إنَّ الرَّجْعَ لَكائِنٌ؛ لِأنَّ الأمْرَيْنِ ورَدَ القَسَمُ عَلَيْهِما ظاهِرًا، أمّا الأوَّلُ: فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يس﴾﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾[يس: ٢] إلى أنْ قالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾[يس: ٦] . وأمّا الثّانِي: فَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾[الطور: ٢] إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ وهَذا الوَجْهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ غايَةَ الظُّهُورِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: ”ق“ اسْمُ جَبَلٍ، فَإنَّ القَسَمَ يَكُونُ بِالجَبَلِ والقُرْآنِ، وهُناكَ القَسَمُ بِالطُّورِ والكِتابِ المَسْطُورِ، وهو الجَبَلُ والقُرْآنُ، فَإنْ قِيلَ: أيُّ الوَجْهَيْنِ مِنهُما أظْهَرُ عِنْدَكَ ؟ قُلْتُ: (الأوَّلُ)؛ لِأنَّ المُنْذِرَ أقْرَبُ مِنَ الرَّجْعِ، ولِأنَّ الحُرُوفَ رَأيْناها مَعَ القُرْآنِ والمُقْسَمُ كَوْنُهُ

صفحة ١٢٩

مُرْسِلًا ومُنْذِرًا، وما رَأيْنا الحُرُوفَ ذُكِرَتْ وبَعْدَها الحَشْرُ، واعْتَبِرْ ذَلِكَ في سُورَةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ﴾[السجدة: ١] ولِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولَ اللَّهِ، فالقَسَمُ بِهِ عَلَيْهِ يَكُونُ إشارَةً إلى الدَّلِيلِ عَلى طَرِيقَةِ القَسَمِ، ولَيْسَ هو بِنَفْسِهِ دَلِيلًا عَلى الحَشْرِ، بَلْ فِيهِ أماراتٌ مُفِيدَةٌ لِلْجَزْمِ بِالحَشْرِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرَّسُولِ، وأمّا إنْ قُلْنا: هو مَفْهُومٌ بِقَرِينَةٍ حالِيَّةٍ، فَهو كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الحَقِّ ولِكَلامِهِ صِفَةُ الصِّدْقِ، فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، والمُخْتارُ ما ذَكَرْناهُ.

والثّانِي: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هُناكَ أمْرٌ مُضْرَبٌ عَنْهُ فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: قالَ الواحِدِيُّ، ووافَقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ تَقْدِيرُ قَوْلِهِ: ما الأمْرُ، كَما يَقُولُونَ، ونَزِيدُهُ وُضُوحًا، فَنَقُولُ عَلى ما اخْتَرْناهُ: فَإنَّ التَّقْدِيرَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إنَّكَ لَتُنْذِرُ، فَكَأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: وإنَّهم شَكُّوا فِيهِ فاضْرِبْ عَنْهُ.

وقالَ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ .