< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah049
Al-Hujuraat (49)
The Inner Apartments, madinah, 18 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
ويَكُونُ إيمانُهم بَعْدُ ضَعِيفًا قالَ لَهم: (لَمْ تُؤْمِنُوا) لِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، وذَلِكَ بَعْدُ لَمْ يَدْخُلْ في قُلُوبِكم، وسَيَدْخُلُ بِاطِّلاعِكم عَلى مَحاسِنِ الإسْلامِ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يُكْمِلْ لَكُمُ الأجْرَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّ لَمّا فِيها مَعْنى التَّوَقُّعِ والِانْتِظارِ، والإيمانُ إمّا أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ المُؤْمِنِ واكْتِسابِهِ ونَظَرِهِ في الدَّلائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ إلْهامًا يَقَعُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ ما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ ولا دَخْلَ الإيمانُ في قَلْبِكم إلْهامًا مِن غَيْرِ فِعْلِكم، فَلا إيمانَ لَكم حِينَئِذٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عِنْدَ فِعْلِهِمْ قالَ: (لَمْ تُؤْمِنُوا) بِحَرْفٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الِانْتِظارِ؛ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وفُتُورِ فِكْرِهِمْ، وعِنْدَ فِعْلِ الإيمانِ قالَ: (لَمّا يَدْخُلِ) بِحَرْفٍ فِيهِ مَعْنى التَّوَقُّعِ؛ لِظُهُورِ قُوَّةِ الإيمانِ، كَأنَّهُ يَكادُ يَغْشى القُلُوبَ بِأسْرِها.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ﴾ أيْ لا يُنْقِصْكم، والمُرادُ أنَّكم إذا أتَيْتُمْ بِما يَلِيقُ بِضَعْفِكم مِنَ الحَسَنَةِ فَهو يُؤْتِيكم ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ؛ وهَذا لِأنَّ مَن حَمَلَ إلى مَلِكٍ فاكِهَةً طَيِّبَةً يَكُونُ ثَمَنُها في السُّوقِ دِرْهَمًا، وأعْطاهُ المَلِكُ دِرْهَمًا أوْ دِينارًا يَنْسِبُ المَلِكَ إلى قِلَّةِ العَطاءِ بَلِ البُخْلِ، فَلَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يُعْطِي مِثْلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَقْصٍ، بَلِ المَعْنى يُعْطِي ما تَتَوَقَّعُونَ بِأعْمالِكم مِن غَيْرِ نَقْصٍ. وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ الصّادِقِ، لِأنَّ مَن أتى بِفِعْلٍ مِن غَيْرِ صِدْقِ نِيَّةٍ يَضِيعُ عَمَلُهُ ولا يُعْطى عَلَيْهِ أجْرًا، فَقالَ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا﴾ وتُصَدِّقُوا لا يَنْقُصُ عَلَيْكم، فَلا تُضَيِّعُوا أعْمالَكم بِعَدَمِ الإخْلاصِ، وفِيهِ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِقُلُوبِ مِن تَأخَّرَ إيمانُهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: غَيْرِي سَبَقَنِي وآمَنَ حِينَ كانَ النَّبِيُّ وحِيدًا، وآواهُ حِينَ كانَ ضَعِيفًا، ونَحْنُ آمَنّا عِنْدَما عَجَزْنا عَنْ مُقاوَمَتِهِ وغَلَبَنا بِقُوَّتِهِ، فَلا يَكُونُ لِإيمانِنا وقْعٌ ولا لَنا عَلَيْهِ أجْرٌ، فَقالَ تَعالى: إنَّ أجْرَكم لا يَنْقُصُ وما تَتَوَقَّعُونَ تُعْطَوْنَ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّقَدُّمَ يَزِيدُ في أُجُورِهِمْ، وماذا عَلَيْكم إذا أرْضاكُمُ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَ غَيْرَكم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ رَحْمَةً واسِعَةً، وما حالُكم في ذَلِكَ إلّا حالُ مَلِكٍ أعْطى واحِدًا شَيْئًا وقالَ لِغَيْرِهِ: ماذا تَتَمَنّى ؟ فَتَمَنّى عَلَيْهِ بَلْدَةً واسِعَةً وأمْوالًا، فَأعْطاهُ ووَفّاهُ، ثُمَّ زادَ ذَلِكَ الأوَّلَ أشْياءً أُخْرى مِن خَزائِنِهِ، فَإنْ تَأذّى مِن ذَلِكَ يَكُونُ بُخْلًا وحَسَدًا، وذَلِكَ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ، وفي الدُّنْيا هو مِن صِفَةِ الأراذِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أيْ يَغْفِرُ لَكم ما قَدْ سَلَفَ ويَرْحَمُكم بِما أتَيْتُمْ بِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
صفحة ١٢٣
إرْشادًا لِلْأعْرابِ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا إلى حَقِيقَةِ الإيمانِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ فالمُؤْمِنُونَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، يَعْنِي أيْقَنُوا بِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي في الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آمَنُوا، ثُمَّ أقُولُ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ يَرْتابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّراخِي في الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا فِيما قالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيْ أيْقَنُوا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا، فَجاهَدُوا طالِبِينَ العُقْبى، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في إيمانِهِمْ، لا الأعْرابُ الَّذِينَ قالُوا قَوْلًا ولَمْ يُخْلِصُوا عَمَلًا.﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ .
فَإنَّهُ عالِمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ