< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مَعْناهُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ، تَقُولُ: لَمْ يُؤْمِن أمْسِ وآمَنَ اليَوْمَ، ولا تَقُولُ: لا يُؤْمِنُ أمْسِ، فَلَمّا فَعَلا بِالفِعْلِ ما لَمْ يَفْعَلْ بِهِ غَيْرُهُما جُزِمَ بِهِما، فَإنْ قِيلَ: مَعَ هَذا لِمَ جُزِمَ بِهِما غايَةُ ما في البابِ أنَّ الفَرْقَ حَصَلَ، ولَكِنْ ما الدَّلِيلُ عَلى وُجُوبِ الجَزْمِ بِهِما ؟ نَقُولُ: لِأنَّ الجَزْمَ والقَطْعَ يَحْصُلُ في الأفْعالِ الماضِيَةِ، فَإنَّ مَن قالَ: قامَ، حَصَلَ القَطْعُ بِقِيامِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما قامَ. والأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ إمّا مُتَوَقَّعَةُ الحُصُولِ وإمّا مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ، ولا يَحْصُلُ القَطْعُ والجَزْمُ فِيهِ، فَإذا كانَ ”لَمْ“ و”لَمّا“ يَقْلِبانِ اللَّفْظَ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ كانا يُفِيدانِ الجَزْمَ والقَطْعَ في المَعْنى، فَجَعَلَ لَهُما تَناسُبًا بِالمَعْنى وهو الجَزْمُ لَفْظًا، وعَلى هَذا نَقُولُ: السَّبَبُ في الجَزْمِ ما ذَكَرْنا، وهَذا في الأمْرِ يَجْزِمُ، كَأنَّهُ جَزَمَ عَلى المَأْمُورِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ ولا يَتْرُكُهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في أنَّ اللَّفْظَ يُجْزَمُ مَعَ أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ وأنَّ في الشَّرْطِ تَغَيُّرًا، وذَلِكَ لِأنَّ ”إنْ“ تُغَيِّرُ مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُضِيِّ إلى الِاسْتِقْبالِ إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ، تَقُولُ: إنْ جِئْتَنِي جِئْتُكَ، وإنْ أكْرَمْتَنِي أكْرَمْتُكَ، فَلَمّا كانَ ”إنْ“ مِثْلُ ”لَمْ“ في كَوْنِهِ حَرْفًا، وفي لُزُومِ الدُّخُولِ عَلى الأفْعالِ، وتَغْيِيرِهِ مَعْنى الفِعْلِ - صارَ جازِمًا لِشَبَهٍ لَفْظِيٍّ، أمّا الجَزاءُ فَجَزْمٌ لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى، فَإنَّ الجَزاءَ يَجْزِمُ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فالجَزْمُ إذًا إمّا لِمَعْنًى أوْ لِشَبَهٍ لَفْظِيٍّ، كَما أنَّ الجَزاءَ كَذَلِكَ في الإضافَةِ وفي الجَرِّ بِحَرْفٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قُولُوا﴾ يَقْتَضِي قَوْلًا سابِقًا مُخالِفًا لِما بَعْدَهُ، كَقَوْلِنا: ”لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا“ وفي تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِهِ إرْشادٌ وتَأْدِيبٌ، كَأنَّهُ تَعالى لَمْ يَجُزِ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) فَلَمْ يَقُلْ: لا تَقُولُوا آمَنّا، وأرْشَدَهم إلى الِامْتِناعِ عَنِ الكَذِبِ، فَقالَ: (لَمْ تُؤْمِنُوا) فَإنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ شَيْئًا فَقُولُوا أمْرًا عامًّا لا يَلْزَمُ مِنهُ كَذِبُكم وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿أسْلَمْنا﴾ فَإنَّ الإسْلامَ بِمَعْنى الِانْقِيادِ حَصَلَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُؤْمِنُ والمُسْلِمُ واحِدٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ ذَلِكَ مَعَ هَذا ؟ نَقُولُ: بَيْنَ العامِّ والخاصِّ فَرْقٌ، فالإيمانُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالقَلْبِ وقَدْ يَحْصُلُ بِاللِّسانِ، والإسْلامُ أعَمُّ لَكِنَّ العامَّ في صُورَةِ الخاصِّ مُتَّحِدٌ مَعَ الخاصِّ، ولا يَكُونُ أمْرًا آخَرَ غَيْرَهُ، مِثالُهُ الحَيَوانُ أعَمُّ مِنَ الإنْسانِ، لَكِنَّ الحَيَوانَ في صُورَةِ الإنْسانِ لَيْسَ أمْرًا يَنْفَكُّ عَنِ الإنْسانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَيَوانُ حَيَوانًا ولا يَكُونُ إنْسانًا، فالعامُّ والخاصُّ مُخْتَلِفانِ في العُمُومِ مُتَّحِدانِ في الوُجُودِ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ والمُسْلِمُ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾[الذاريات: ٣٥] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ هَلْ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ، الأوَّلُ: هو أنَّهم لَمّا قالُوا: آمَنّا وقِيلَ لَهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ قالُوا: إذا أسْلَمْنا فَقَدْ آمَنّا، قِيلَ: لا، فَإنَّ الإيمانَ مِن عَمَلِ القَلْبِ لا غَيْرِهِ، والإسْلامُ قَدْ يَكُونُ عَمَلَ اللِّسانِ، وإذا كانَ ذَلِكَ

صفحة ١٢٢

عَمَلَ القَلْبِ ولَمْ يَدْخُلْ في قُلُوبِكُمُ الإيمانُ لَمْ تُؤْمِنُوا. الثّانِي: لَمّا قالُوا: آمَنّا وقِيلَ لَهم: لَمْ تُؤْمِنُوا، قالُوا جَدَلًا: قَدْ آمَنّا عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ، مُؤَكِّدِينَ لِما أخْبَرُوا، فَقالَ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾لِأنَّ ”لَمّا يَفْعَلْ“ يُقالُ في مُقابَلَةِ ”قَدْ فَعَلَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الآيَةَ فِيها إشارَةٌ إلى حالِ المُؤَلَّفَةِ إذا أسْلَمُوا،