< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah043
Az-Zukhruf (43)
Ornaments of gold, makkah, 89 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَنِ الظّاهِرِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مُمْكِنٌ ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ هو الحَقُّ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: كَثُرَتِ الوُجُوهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والأقْوى أنْ يُقالَ: المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيِ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ
صفحة ١٩٨
المُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكم بِإضافَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ يَثْبُتْ لَكُمُ ادِّعاءُ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ لَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: إنْ كانَ الشَّيْءُ ثابِتًا في نَفْسِهِ فَأنا أوَّلُ المُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إصْرارَهُ عَلى الكَذِبِ والجَهْلِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهم سَواءٌ أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا أوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إثْباتَ الوَلَدِ مُؤَثِّرًا في كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ.الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: مَعْناهُ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ الآنِفِينَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّتْ أنَفَتُهُ فَهو عَبِدٌ وعابِدٌ، وقَرَأ بَعْضُهم (عَبِدِينَ) .
واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ المَذْكُورَ قائِمٌ هَهُنا لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ مِنَ الإقْرارِ بِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، فَهَذا التَّعْلِيقُ فاسِدٌ لِأنَّ هَذِهِ الأنَفَةَ حاصِلَةٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ والِاعْتِقادُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّعْلِيقُ جائِزًا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ كَلِمَةَ “ إنْ “ هَهُنا هي النّافِيَةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ لا ولَدَ لَهُ.
واعْلَمْ أنَّ التِزامَ هَذِهِ الوُجُوهِ البَعِيدَةِ إنَّما يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا ضَرُورَةَ البَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، والمَعْنى أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو فَرْدٌ مُطْلَقٌ لا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ عَنِ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ شَخْصٌ مِثْلُهُ، وهَذا إنَّما يُعْقَلُ فِيما تَكُونُ ذاتُهُ قابِلَةً لِلتَّجَزُّؤِ والتَّبْعِيضِ، وإذا كانَ مُحالًا في حَقِّ إلَهِ العالَمِ امْتَنَعَ إثْباتُ الوَلَدِ لَهُ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا البُرْهانَ القاطِعَ قالَ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى فَسادِ ما ذَكَرُوا، وهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِأجْلِ كَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في طَلَبِ المالِ والجاهِ والرِّياسَةِ؛ فاتْرُكْهم في ذَلِكَ الباطِلِ واللَّعِبِ حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ بِما وُعِدُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: نَظَرْتُ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ إلَهٌ فَوَجَدْتُ ارْتِفاعَهُ يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي في السَّماءِ هو إلَهٌ.
والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ