< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


[البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.

الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما

صفحة ١٦٨

تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾[الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾[إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُسْرِفِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا ذِكْرُ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأنْبِياءِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ إلّا أنَّ الأقْرَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِهَذا المَعْنى يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ويُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ دالًّا عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ مَصْنُوعاتِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ولَوْ كانَ هَذا مِن

صفحة ١٦٩

جُمْلَةِ كَلامِ الكُفّارِ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مَهْدًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ الكَلامِ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِكَلامِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن