< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ شَخْصًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيرُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُهُ كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾[النِّساءِ: ٤٢] .

صفحة ٥١

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”رَجُلٌ مُؤْمِنٌ“ الأكْثَرُونَ قَرَأُوا بِضَمِّ الجِيمِ وقُرِئَ ”رَجِلٌ“ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما يُقالُ: عَضِدٌ في عَضُدٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاسْتِنْكارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وجاءَ بِالبَيِّناتِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾[طه: ٥٠] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾[الدُّخانِ: ٧] إلى آخِرِ الآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ حُجَّةً ثانِيَةً في أنَّ الإقْدامَ عَلى قَتْلِهِ غَيْرُ جائِزٍ، وهي حُجَّةٌ مَذْكُورَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْسِيمِ، فَقالَ: إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا عَلَيْهِ فاتْرُكُوهُ، وإنْ كانَ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ كانَ الأوْلى إبْقاؤُهُ حَيًّا.

فَإنْ قِيلَ: السُّؤالُ عَلى هَذا الدَّلِيلِ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ مَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ كَذِبِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ ولا يَتَعَدّاهُ، وهَذا الكَلامُ فاسِدٌ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَدْعُو النّاسَ إلى ذَلِكَ الدِّينِ الباطِلِ، فَيَغْتَرُّ بِهِ جَماعَةٌ مِنهم، ويَقَعُونَ في المَذْهَبِ الباطِلِ والِاعْتِقادِ الفاسِدِ، ثُمَّ يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمُ الخُصُوماتُ الكَثِيرَةُ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا لَمْ يَكُنْ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، بَلْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الكُلِّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ العُلَماءُ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي يَدْعُو النّاسَ إلى زَنْدَقَتِهِ يَجِبُ قَتْلُهُ. وثانِيها: أنَّهُ إنْ كانَ الكَلامُ حُجَّةً لَهُ، فَلا كَذّابَ إلّا ويُمْكِنُهُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَوَجَبَ تَمَكُّنُ جَمِيعِ الزَّنادِقَةِ والمُبْطِلِينَ مِن تَقْرِيرِ أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ ذَلِكَ المُنْكِرُ كاذِبًا في ذَلِكَ الإنْكارِ فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِصِدْقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ يُوجِبُ تَصْوِيبَ ضِدِّهُ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُ في بَعْضِ ما يَعِدُ دُونَ البَعْضِ هم أصْحابُ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، أمّا الرَّسُولُ الصّادِقُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِالوَحْيِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في كُلِّ ما يَقُولُ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾غَيْرَ لائِقٍ بِهَذا المَقامِ. والجَوابُ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِحَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ بِكم في دَفْعِ شَرِّهِ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ تَتْرُكُوا قَتْلَهُ فَإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ لا يَعُودُ ضَرَرُهُ إلّا إلَيْهِ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ التَّقْسِيمِ بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تُعْرِضُوا عَنْهُ وأنْ تَمْنَعُوهُ