< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في أداءِ الصَّلَواتِ في الجَماعاتِ.

الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنَ في هَذا الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ حَقُّ تَرْبِيَةٍ عَلى مُوسى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَرَكَ التَّعْيِينَ رِعايَةً لِذَلِكَ الحَقِّ.

الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كانَ أظْهَرَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ عَلى فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهِ، بَلِ الأوْلى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ في دَفْعِ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَن كانَ عَدُوًّا سَواءٌ كانَ مُظْهِرًا لِتِلْكَ العَداوَةِ أوْ كانَ مُخْفِيًا لَها.

الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ المُوجِبَ لِلْإقْدامِ عَلى إيذاءِ النّاسِ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: كَوْنُ الإنْسانِ مُتَكَبِّرًا قاسِيَ القَلْبِ. والثّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ القاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلى إيذاءِ النّاسِ إلّا أنَّهُ إذا كانَ مُقِرًّا بِالبَعْثِ والحِسابِ صارَ خَوْفُهُ مِنَ الحِسابِ مانِعًا لَهُ مِنَ الجَرْيِ عَلى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ كانَتِ الطَّبِيعَةُ داعِيَةً لَهُ إلى الإيذاءِ، والمانِعُ وهو الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ

صفحة ٥٠

والحِسابِ زائِلًا، وإذا كانَ الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ والحِسابِ زائِلًا فَلا جَرَمَ تَحْصُلُ القَسْوَةُ والإيذاءُ.

الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَقالَ مُوسى: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ هو الدِّينُ المُبِينُ والحَقُّ المُنِيرُ، وأنا أدْعُو رَبِّي وأطْلُبُ مِنهُ أنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وسَتَرى أنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أحاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الفَوائِدِ عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أصْلَحَ ولا أصْوَبَ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وإبْطالِ مَكْرِهِمْ إلّا الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلى حِفْظِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما زادَ في دَفْعِ مَكْرِ فِرْعَوْنَ وشَرِّهِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَيَّضَ إنْسانًا أجْنَبِيًّا غَيْرَ مُوسى حَتّى ذَبَّ عَنْهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبالَغَ في تَسْكِينِ تِلْكَ الفِتْنَةِ واجْتَهَدَ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّرِّ.

يَقُولُ مُصَنَّفُ هَذا الكِتابِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَقَدْ جَرَّبْتُ في أحْوالِ نَفْسِي أنَّهُ كُلَّما قَصَدَنِي شِرِّيرٌ بِشَرٍّ، لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ، وأكْتَفِي بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ الأمْرِ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُقَيِّضُ أقْوامًا لا أعْرِفُهُمُ البَتَّةَ، يُبالِغُونَ في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، وكانَ جارِيًا مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرَطَةِ، وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ وما كانَ مِن أقارِبِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآلِ يَقَعُ عَلى القَرابَةِ والعَشِيرَةِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ . والثّالِثُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وهو أفْضَلُهم» “ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ خَيْرًا مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ جِهارًا: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سِرًّا وهَذا كانَ جِهارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: