< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah038
Saad (38)
The letter Saad, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الكُفّارِ وهي الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ، وهي قَوْلُهم إنَّ مُحَمَّدًا لَمّا كانَ مُساوِيًا لِغَيْرِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ هو بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ والمَنزِلَةِ الشَّرِيفَةِ ؟ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ:﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ فَإنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم قالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ فَقالُوا:
صفحة ١٥٧
﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾[القَمَرِ: ٢٥] وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[الزُّخْرُفِ: ٣١] وتَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهم قالُوا النُّبُوَّةُ أشْرَفُ المَراتِبِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ إلّا لِأشْرَفِ النّاسِ ومُحَمَّدٌ لَيْسَ أشْرَفَ النّاسِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ لَهُ النُّبُوَّةُ، والمُقَدِّمَتانِ الأوَّلِيّانِ حَقِيقَتانِ، لَكِنَّ الثّالِثَةَ كاذِبَةٌ وسَبَبُ رَواجِ هَذا التَّغْلِيطِ عَلَيْهِمْ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الشَّرَفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمالِ والأعْوانِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ مَراتِبَ السَّعادَةِ ثَلاثٌ أعْلاها هي النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها هي البَدَنِيَّةُ، وأدْوَنُها هي الخارِجِيَّةُ وهي المالُ والجاهُ، فالقَوْمُ عَكَسُوا القَضِيَّةَ وظَنُّوا بِأخَسِّ المَراتِبِ أشْرَفَها، فَلَمّا وجَدُوا المالَ والجاهَ عِنْدَ غَيْرِهِ أكْثَرَ ظَنُّوا أنَّ غَيْرَهُ أشْرَفُ مِنهُ، فَحِينَئِذٍ انْعَقَدَ هَذا القِياسُ الفاسِدُ في أفْكارِهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَوْ نَظَرُوا فِيها لَزالَ هَذا الشَّكُّ عَنْهم وذَلِكَ لَأنَّ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبُهاتِ فَهي كَلِماتٌ ضَعِيفَةٌ، وأمّا الدَّلائِلُ الَّتِي تَدُلُّ بِنَفْسِها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَهي دَلائِلُ قاطِعَةٌ، فَلَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ في الكَلامِ لَوَقَفُوا عَلى ضَعْفِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في إبْطالِ النُّبُوَّةِ، ولَعَرَفُوا صِحَّةَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ كانَ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ فَمَوْقِعُهُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ هَؤُلاءِ إنَّما تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ لِأنِّي لَمْ أُذِقْهم عَذابِي، ولَوْ ذاقُوهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم إلّا الإقْبالُ عَلى أداءِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَنهِيّاتِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ؛ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ لَوْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَكِّهِمْ في صِدْقِهِ، وقالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾[الأنْفالِ: ٣٢] فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ العَذابِ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ، والقادِرُ عَلى هِبَتِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، ووَهّابًا أيْ: عَظِيمَ الجُودِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإذا كانَ هو تَعالى كامِلَ القُدْرَةِ وكامِلَ الجُودِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ كَوْنُهُ واهِبًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ عَلى كَوْنِ المَوْهُوبِ مِنهُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ولَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّ أعْداءَهُ يُحِبُّونَهُ أوْ يَكْرَهُونَهُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾