< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فاسِدٌ قَطْعًا، وإذا بَطَلَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ فَقَدْ بَطَلَ أصْلُ كَلامِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ، وكَلامُ المُشَبِّهَةِ في الأفْعالِ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الذّاتِ فَهو أنَّهم يَقُولُونَ لَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ في الشّاهِدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا ومُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجَبَ في الغائِبِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الأفْعالِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ قَبِيحٌ مِنّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ إنْ صَحَّ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ وفي الأفْعالِ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ شُبْهَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وحَيْثُ تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ عُمْدَةَ المُجَسِّمَةِ وكَلامَ المُعْتَزِلَةِ باطِلٌ فاسِدٌ.

وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَلَعَمْرِي لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً وحَيْثُ كانَتْ فاسِدَةً عَلِمْنا أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُجابَ هو العَجِيبُ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ كَقَوْلِهِمْ طَوِيلٌ وطُوالٌ وعَرِيضٌ وعُراضٌ وكَبِيرٌ وكُبارٌ وقَدْ يُشَدَّدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾[نُوحٍ: ٢٢] .

البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ عُجابٌ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَقالَ: والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ مِنَ التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ .

صفحة ١٥٦

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَلَأ عِبارَةٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ إذا حَضَرُوا في المَجْلِسِ فَإنَّهُ تَمْتَلِئُ القُلُوبُ والعُيُونُ مِن مَهابَتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قُرَيْشٍ؛ انْطَلَقُوا عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَما بَكَتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَوابِ العَتِيدِ قائِلِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”أنِ امْشُوا“ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”امْشُوا“ بِحَذْفِ أنْ، قالَ صاحِبُ: ”الكَشّافِ“ ”أنْ“ بِمَعْنى أيْ لِأنَّ المُنْطَلِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَتَكَلَّمُوا ويَتَفاوَضُوا فِيما يَجْرِي في المَجْلِسِ المُتَقَدِّمِ، فَكانَ انْطِلاقُهم مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ.

البَحْثُ الثّانِي: مَعْنى أنِ امْشُوا أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ امْشُوا واصْبِرُوا، فَلا حِيلَةَ لَكم في دَفْعِ أمْرِ مُحَمَّدٍ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: ظُهُورُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ يُثْبِتُ أنَّ تَزايُدَ ظُهُورِهِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُهُ، وما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا دافِعَ لَهُ.

وثانِيها: أنَّ الأمْرَ كَشَيْءٍ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ فَلا انْفِكاكَ لَنا مِنهُ.

وثالِثُها: أنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم، قالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وكَأنَّ مَعْناها أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ والمِلَّةُ الآخِرَةُ هي مِلَّةُ النَّصارى فَقالُوا إنَّ هَذا التَّوْحِيدَ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ما سَمِعْناهُ في دِينِ النَّصارى، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالمِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي أدْرَكُوا آباءَهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ افْتِعالٌ وكَذِبٌ، وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّهم قالُوا نَحْنُ ما سَمِعْنا عَنْ أسْلافِنا القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا، ولَوْ كانَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ حَقًّا لَكانَ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ حَقًّا، وحَيْثُ كانَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِأُولَئِكَ