< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah037
As-Saaffaat (37)
Those drawn up in Ranks, makkah, 182 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
كَما يَجُوزُ فِيمَن يَسْلُكُ البَحْرَ أنْ يَسْلُكَهُ في مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ النَّجاةِ، هَذا ما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ مِنَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ في تَفْسِيرِهِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم إذا صَعِدُوا فَإمّا أنْ يَصِلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، أوْ إلى غَيْرِ تِلْكَ المَواضِعِ، فَإنْ وصَلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ احْتَرَقُوا وإنْ وصَلُوا إلى غَيْرِ مَواضِعِ المَلائِكَةِ لَمْ يَفُوزُوا بِمَقْصُودِهِمْ أصْلًا، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المَقْصُودُ غَيْرُ حاصِلٍ، إذا حَصَلَتْ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ وثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّ الفَوْزَ بِالمَقْصُودِ مُحالٌ وجَبَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ هَذا العَمَلِ وأنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِ أصْلًا بِخِلافِ حالِ المُسافِرِينَ في البَحْرِ، فَإنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِالمَقْصُودِ، أمّا هَهُنا فالشَّيْطانُ الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الِاحْتِراقِ إنَّما يَسْلَمُ إذا لَمْ يَصِلْ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، وإذا لَمْ يَصِلْ إلى تِلْكَ المَواضِعِ لَمْ يَفُزْ بِالمَقْصُودِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَعُودَ إلى هَذا العَمَلِ البَتَّةَ، والأقْرَبُ في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الوَقْعَةُ إنَّما تَتَّفِقُ في النُّدْرَةِ، فَلَعَلَّها لا تَشْتَهِرُ بِسَبَبِ كَوْنِها نادِرَةً بَيْنَ الشَّياطِينِ واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالُوا: دَلَّتِ التَّوارِيخُ المُتَواتِرَةُ عَلى أنَّ حُدُوثَ الشُّهُبِ كانَ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ الحُكَماءَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمانٍ طَوِيلٍ ذَكَرُوا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا في سَبَبِ حُدُوثِهِ، إذا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ امْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ
أجابَ القاضِي: بِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّها كَثُرَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ فَصارَتْ بِسَبَبِ الكَثْرَةِ مُعْجِزَةً.
صفحة ١٠٧
السُّؤالُ الرّابِعُ: الشَّيْطانُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾[ص: ٧٦] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾[الحجر: ٢٧] ولِهَذا السَّبَبِ يَقْدِرُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماواتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ إحْراقُ النّارِ بِالنّارِ ؟والجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنَّ الشَّياطِينَ وإنْ كانُوا مِنَ النِّيرانِ إلّا أنَّها نِيرانٌ ضَعِيفَةٌ، فَإنْ وصَلَتْ نِيرانُ الشُّهُبِ إلَيْهِمْ، وتِلْكَ النِّيرانُ أقْوى حالًا مِنهم لا جَرَمَ صارَ الأقْوى مُبْطِلًا لِلْأضْعَفِ، ألا تَرى أنَّ السِّراجَ الضَّعِيفَ إذا رَجَعَ في النّارِ القَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَنْطَفِئُ فَكَذَلِكَ هَهُنا.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّ مَقَرَّ المَلائِكَةِ هو السَّطْحُ الأعْلى مِنَ الفَلَكِ، والشَّياطِينُ لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلّا إلى الأقْرَبِ مِنَ السَّطْحِ الأسْفَلِ مِنَ الفَلَكِ، فَيَبْقى جِرْمُ الفَلَكِ مانِعًا مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلى القُرْبِ مِنَ المَلائِكَةِ، ولَعَلَّ الفَلَكَ عَظِيمُ المِقْدارِ دَفَعَ حُصُولَ المانِعِ العَظِيمِ، كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَسْمَعَ الشَّياطِينُ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَنَقُولُ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، وجَبَ أنْ لا يَنْفِيَ سَمْعَ الشَّيْطانِ، وإنْ كانَ لا يُرِيدُ مَنعَ الشَّيْطانِ فَما الفائِدَةُ في رَمْيِهِ بِالرُّجُومِ ؟
فالجَوابُ: مَذْهَبُنا أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، فَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَباحِثِ هَذا البابِ، وإذا أُضِيفَ ما كَتَبْناهُ هَهُنا إلى ما كَتَبْناهُ في سُورَةِ المُلْكِ، وفي سائِرِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ بَلَغَ تَمامَ الكِفايَةِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمِيمِ وأصْلُهُ يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ، والتَّسَمُّعُ تَطَلُّبُ السَّماعِ، يُقالُ: تَسَمَّعَ سَمِعَ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ