< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لامِعَةً مُتَلَأْلِئَةً عَلى ذَلِكَ السَّطْحِ الأزْرَقِ، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ الأشْياءِ وأكْمَلُها في التَّرْكِيبِ والجَوْهَرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُفِيدُ كَوْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةً.

وأمّا المَطْلُوبُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا﴾ وحَفِظْناها، قالَ المُبَرِّدُ: إذا ذَكَرْتَ فِعْلًا ثُمَّ عَطَفْتَ عَلَيْهِ مَصْدَرَ فِعْلٍ آخَرَ نَصَبْتَ المَصْدَرَ؛ لِأنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلى فِعْلِهِ، مِثْلَ قَوْلِكِ: أفْعَلُ وكَرامَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ أفْعَلُ عُلِمَ أنَّ الأسْماءَ لا تُعْطَفُ عَلى الأفْعالِ، فَكانَ المَعْنى أفْعَلُ ذَلِكَ وأُكْرِمُكَ كَرامَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حِفْظَ السَّماءِ بِالكَواكِبِ و﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ يُرِيدُ الَّذِي تَمَرَّدَ عَلى اللَّهِ قِيلَ: إنَّهُ الَّذِي لا يُتَمَكَّنُ مِنهُ، وأصْلُهُ مِنَ المَلاسَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾[النمل: ٤٤] ومِنهُ الأمْرَدُ: وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المارِدِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾[التوبة: ١٠١] .

البَحْثُ الثّانِي: فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ العَقْلِيَّةِ في هَذا المَوْضِعِ، فَنَقُولُ: الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾[الملك: ٥] قالَ المُفَسِّرُونَ: الشَّياطِينُ كانُوا يَصْعَدُونَ إلى قُرْبِ السَّماءِ فَرُبَّما سَمِعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ وعَرَفُوا بِهِ ما سَيَكُونُ مِنَ الغُيُوبِ، وكانُوا يُخْبِرُونَهم بِهِ ويُوهِمُونَهم أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصُّعُودِ إلى قُرْبِ السَّماءِ بِهَذِهِ الشُّهُبِ، فَإنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها فَيُحْرِقُهم بِها، وبَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:

صفحة ١٠٦

السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الشُّهُبُ هَلْ هي مِنَ الكَواكِبِ الَّتِي زَيَّنَ اللَّهُ السَّماءَ بِها أمْ لا ؟ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الشُّهُبُ تِلْكَ الكَواكِبَ الحَقِيقِيَّةَ لَوَجَبَ أنْ يَظْهَرَ نُقْصانُ كَثِيرٍ مِن أعْدادِ كَواكِبِ السَّماءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى لَمْ يُوجَدِ البَتَّةَ فَإنَّ أعْدادَ كَواكِبِ السَّماءِ باقِيَةٌ في حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ البَتَّةَ، وأيْضًا فَجَعْلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ مِمّا يُوجِبُ وُقُوعَ النُّقْصانِ في زِينَةِ السَّماءِ فَكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ كالمُتَناقِضِ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الكَواكِبِ المَرْكُوزَةِ في الفَلَكِ فَهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾[الملك: ١]، ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾[الملك: ٥] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ عائِدٌ إلى المَصابِيحِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَصابِيحُ هي الرُّجُوعَ بِأعْيانِها مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ غَيْرُ تِلْكَ الثَّواقِبِ الباقِيَةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فَنَقُولُ: كُلُّ نَيِّرٍ يَحْصُلُ في الجَوِّ العالِي فَهو مَصابِيحُ لِأهْلِ الأرْضِ إلّا أنَّ تِلْكَ المَصابِيحَ مِنها باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ آمِنَةٌ مِنَ التَّغَيُّرِ والفَسادِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهي هَذِهِ الشُّهُبُ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى ويَجْعَلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَذْهَبَ الشَّياطِينُ إلى حَيْثُ يَعْلَمُونَ بِالتَّجْوِيزِ، أنَّ الشُّهُبَ تُحْرِقُهم ولا يَصِلُونَ إلى مَقْصُودِهِمُ البَتَّةَ، وهَلْ يُمْكِنُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ عَنْ عاقِلٍ، فَكَيْفَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَهم مَزِيَّةٌ في مَعْرِفَةِ الحِيَلِ الدَّقِيقَةِ ؟

والجَوابُ: أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ لَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ وإلّا لَمْ يَذْهَبُوا إلَيْهِ، وإنَّما يُمْنَعُونَ مِنَ المَصِيرِ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ ومَواضِعُها مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّما صارُوا إلى مَوْضِعٍ تُصِيبُهم فِيهِ الشُّهُبُ، ورُبَّما صارُوا إلى غَيْرِهِ ولا يُصادِفُونَ المَلائِكَةَ فَلا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ، فَلَمّا هَلَكُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، وسَلَّمُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، جازَ أنْ يَصِيرُوا إلى مَواضِعَ يَغْلِبُ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ لا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ فِيها،