< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


المَقْصُودُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ بَيانَ أنَّ حالَ المَشْرُوبِ في البَشاعَةِ أعْظَمُ مِن حالِ المَأْكُولِ، ثُمَّ قالَ تَعالى:﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بَعْدِ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عِنْدَ شُرْبِ الحَمِيمِ لَمْ يَكُونُوا في الجَحِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الحَمِيمُ مِن مَوْضِعٍ خارِجٍ عَنِ الجَحِيمِ، فَهم يُورَدُونَ الحَمِيمَ لِأجْلِ الشُّرْبِ كَما تُورَدُ الإبِلُ إلى الماءِ، ثُمَّ يُورَدُونَ إلى الجَحِيمِ، فَهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾[الرحمن: ٤٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عَذابَهم في أكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ قالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الإهْراعُ الإسْراعُ يُقالُ: هَرَعَ وأهْرَعَ إذا اسْتُحِثَّ، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آباءَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهم لِلْوُقُوعِ في تِلْكَ الشَّدائِدِ كُلِّها، بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ وتَرْكِ اتِّباعِ الدَّلِيلِ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ آيَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ في ذَمِّ التَّقْلِيدِ لَكَفى.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لِرَسُولِهِ ما يُوجِبُ التَّسْلِيَةَ لَهُ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْذِيبَ لَهم قَدْ سَلَفَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ أُسْوَةٌ بِهِمْ حَتّى يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا، ويَسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ وإنْ تَمَرَّدُوا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في الظّاهِرِ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ خِطابُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم سَمِعُوا بِالأخْبارِ جَمِيعَ ما جَرى مِن أنْواعِ العَذابِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن ظَنٍّ وخَوْفٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زاجِرًا لَهم عَنْ كُفْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فَإنَّها كانَتْ أقْبَحَ العَواقِبِ وأفْظَعَها إلّا عاقِبَةَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَإنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِالخَيْرِ والرّاحَةِ.

القِصَّةُ الأُولى - قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾

صفحة ١٢٦

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ وقالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ وقائِعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

فالقِصَّةُ الأُولى: حِكايَةُ حالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٌ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ نُوحًا نادى، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ في أيِّ الوَقائِعِ كانَ ؟ لا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ نادى الرَّبَّ تَعالى في أنْ يُنْجِيَهُ مِن مِحْنَةِ الغَرَقِ وكَرْبِ تِلْكَ الواقِعَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ بالَغُوا في إيذائِهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى رَبَّهُ واسْتَنْصَرَهُ عَلى كُفّارِ قَوْمِهِ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهم مِن قَتْلِهِ وإيذائِهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى