< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah037
As-Saaffaat (37)
Those drawn up in Ranks, makkah, 182 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إلى اللَّهِ وإذا ورَدَ عَلى الزِّنْدِيقِ تَوَسَّلَ بِهِ إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وصَفَها بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قِيلَ: مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الطَّلْعُ لِلنَّخْلَةِ فاسْتُعِيرَ لِما طَلَعَ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ مِن حَمْلِها، إمّا اسْتِعارَةً لَفْظِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ ”طَلْعًا“ لِطُلُوعِهِ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: طَلْعُ النَّخْلِ لِأوَّلِ ما يَخْرُجُ مِن ثَمَرِهِ، وأمّا تَشْبِيهُ هَذا الطَّلْعِ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ فَفِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّهُ قِيلَ: إنّا ما رَأيْنا رَءُوسَ الشَّياطِينِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِها ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ النّاسَ لَمّا اعْتَقَدُوا في المَلائِكَةِ كَمالَ الفَضْلِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، اعْتَقَدُوا في الشَّياطِينِ نِهايَةَ القُبْحِ والتَّشْوِيهِ في الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، فَكَما حَسُنَ التَّشْبِيهُ بِالمَلَكِ عِنْدَ إرادَةِ تَقْرِيرِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾[يوسف: ٣١] فَكَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْسُنَ التَّشْبِيهُ بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ في القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، والحاصِلُ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّشْبِيهِ لا بِالمَحْسُوسِ بَلْ بِالمُتَخَيَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أقْبَحَ الأشْياءِ في الوَهْمِ والخِيارِ هو رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ تُشْبِهُها في قُبْحِ النَّظَرِ وتَشْوِيهِ الصُّورَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ العُقَلاءَ إذا رَأوْا شَيْئًا شَدِيدَ الِاضْطِرابِ مُنْكَرَ الصُّورَةِ قَبِيحَ الخِلْقَةِ، قالُوا: إنَّهُ شَيْطانٌ، وإذا رَأوْا شَيْئًا حَسَنَ الصُّورَةِ والسِّيرَةِ، قالُوا: إنَّهُ مَلَكٌ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
أتَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّياطِينَ حَيّاتٌ لَها رُءُوسٌ وأعْرافٌ، وهي مِن أقْبَحِ الحَيّاتِ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في القُبْحِ، والعَرَبُ إذا رَأتْ مَنظَرًا قَبِيحًا قالَتْ: كَأنَّهُ شَيْطانُ الحَماطَةِ، والحَماطَةُ شَجَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ.والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ رُءُوسَ الشَّياطِينِ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ قَبِيحُ الرَّأْسِ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو الجَوابُ الحَقُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ وذَكَرَ صِفَتَها بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ ﴿لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ إقْدامَهم عَلى ذَلِكَ الأكْلِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم أكَلُوا مِنها لِشِدَّةِ الجُوعِ، فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَأْكُلُونَها مَعَ نِهايَةِ خُشُونَتِها ونَتْنِها ومَرارَةِ طَعْمِها ؟ قُلْنا: إنَّ الوِقاعَ في الضَّرَرِ العَظِيمِ رُبَّما اسْتُرْوِحَ مِنهُ إلى ما يُقارِبُهُ في الضَّرَرِ، فَإذا جَوَّعَهُمُ اللَّهُ الجُوعَ الشَّدِيدَ فَزِعُوا في إزالَةِ ذَلِكَ الجُوعِ إلى تَناوُلِ هَذا الشَّيْءِ، وإنْ كانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ الزَّبانِيَةُ يُكْرِهُونَهم عَلى الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ تَكْمِيلًا لِعَذابِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّهم إذا شَبِعُوا فَحِينَئِذٍ يَشْتَدُّ عَطَشُهم ويَحْتاجُونَ إلى الشَّرابِ، فَعِنْدَ هَذا وصَفَ اللَّهُ شَرابَهم، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الشَّوْبُ اسْمٌ عامٌّ في كُلِّ ما خُلِطَ بِغَيْرِهِ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ المُتَناهِي في الحَرارَةِ، والمَعْنى أنَّهُ إذا غَلَبَهم ذَلِكَ العَطَشُ الشَّدِيدُ سُقُوا مِن ذَلِكَ الحَمِيمِ، فَحِينَئِذٍ يَشُوبُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُما.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ شَرابَهم في القُرْآنِ بِأشْياءَ مِنها كَوْنُهُ غَسّاقًا، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾[محمد: ١٥] ومِنها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم يَمْلَئُونَ بُطُونَهم مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وهو حارٌّ يَحْرُقُ
صفحة ١٢٥
بُطُونَهم فَيَعْظُمُ عَطَشُهم، ثُمَّ إنَّهم لا يُسْقَوْنَ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ والغَرَضُ تَكْمِيلُ التَّعْذِيبِ.والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ بِتِلْكَ البَشاعَةِ والكَراهَةِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّرابَ بِما هو أبْشَعُ مِنهُ، فَكانَ