< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah035
Faatir (35)
The Originator, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الحَمِيدُ﴾ .
لَمّا كَثُرَ الدُّعاءُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ والإصْرارُ مِنَ الكُفّارِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَعَلَّهُ يَحْتاجُ إلى عِبادَتِنا حَتّى يَأْمُرَنا بِها أمْرًا بالِغًا ويُهَدِّدَنا عَلى تَرْكِها مُبالِغًا، فَقالَ تَعالى: ﴿أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَلا يَأْمُرُكم بِالعِبادَةِ لِاحْتِياجِهِ إلَيْكم، وإنَّما هو لِإشْفاقِهِ عَلَيْكم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّعْرِيفُ في الخَبَرِ قَلِيلٌ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً والمُبْتَدَأُ مَعْرِفَةً، وهو مَعْقُولٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُخْبِرَ لا يُخْبِرُ في الأكْثَرِ إلّا بِأمْرٍ لا يَكُونُ عِنْدَ المُخْبَرِ بِهِ عِلْمٌ أوْ في ظَنِّ المُتَكَلِّمِ أنَّ السّامِعَ لا عِلْمَ لَهُ
صفحة ١٣
بِهِ، ثُمَّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ حَتّى يَقُولَ لَهُ: أيُّها السّامِعُ الأمْرَ الَّذِي تَعْرِفُهُ أنْتَ فِيهِ المَعْنى الفُلانِيُّ، كَقَوْلِ القائِلِ: زَيْدٌ قائِمٌ أوْ قامَ أيْ زَيْدٌ الَّذِي تَعْرِفُهُ ثَبَتَ لَهُ قِيامٌ لا عِلْمَ عِنْدَكَ بِهِ، فَإنْ كانَ الخَبَرُ مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ، والمُبْتَدَأُ كَذَلِكَ، ويَقَعُ الخَبَرُ تَنْبِيهًا لا تَفْهِيمًا يَحْسُنُ تَعْرِيفُ الخَبَرِ غايَةَ الحُسْنِ، كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ رَبُّنا ومُحَمَّدٌ نَبِيُّنا، حَيْثُ عُرِفَ كَوْنُ اللَّهِ رَبًّا، وكَوْنُ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وهَهُنا لَمّا كانَ كَوْنُ النّاسِ فُقَراءَ أمْرًا ظاهِرًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ قالَ: ﴿أنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ .المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (إلّا اللَّهَ) إعْلامٌ بِأنَّهُ لا افْتِقارَ إلّا إلَيْهِ ولا اتِّكالَ إلّا عَلَيْهِ، وهَذا يُوجِبُ عِبادَتَهُ لِكَوْنِهِ مُفْتَقَرًا إلَيْهِ وعَدَمَ عِبادَةِ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الِافْتِقارِ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ﴾ أيْ هو مَعَ اسْتِغْنائِهِ يَدْعُوكم كُلَّ الدُّعاءِ، وأنْتُمْ مِنِ احْتِياجِكم لا تُجِيبُونَهُ ولا تَدْعُونَهُ فَيُجِيبُكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الحَمِيدُ﴾ لَمّا زادَ في الخَبَرِ الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ زِيادَةً، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلى اللَّهِ﴾ إشارَةً لِوُجُوبِ حَصْرِ العِبادَةِ في عِبادَتِهِ زادَ في وصْفِهِ بِالغَنِيِّ زِيادَةً، وهو كَوْنُهُ حَمِيدًا إشارَةٌ إلى كَوْنِكم فُقَراءَ وفي مُقابَلَتِهِ اللَّهُ غَنِيٌّ، وفَقْرُكم إلَيْهِ في مُقابَلَةِ نِعَمِهِ عَلَيْكم لِكَوْنِهِ حَمِيدًا واجِبَ الشُّكْرِ، فَلَسْتُمْ أنْتُمْ فُقَراءَ واللَّهُ مِثْلَكم في الفَقْرِ بَلْ هو غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ولَسْتُمْ أنْتُمْ لَمّا افْتَقَرْتُمْ إلَيْهِ تَرَكَكم غَيْرَ مَقْضِيِّ الحاجاتِ، بَلْ قَضى في الدُّنْيا حَوائِجَكم، وإنْ آمَنتُمْ يَقْضِي في الآخِرَةِ حَوائِجَكم فَهو حَمِيدٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بَيانًا لِغِناهُ وفِيهِ بَلاغَةٌ كامِلَةٌ، وبَيانُها أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ لَيْسَ إذْهابُكم مَوْقُوفًا إلّا عَلى مَشِيئَتِهِ بِخِلافِ الشَّيْءِ المُحْتاجِ إلَيْهِ، فَإنَّ المُحْتاجَ لا يَقُولُ فِيهِ: إنْ يَشَأْ فُلانٌ هَدَمَ دارَهُ وأعْدَمَ عَقارَهُ، وإنَّما يَقُولُ: لَوْلا حاجَةُ السُّكْنى إلى الدّارِ لَبِعْتُها، أوْ لَوْلا الِافْتِقارُ إلى العَقارِ لَتَرَكْتُها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ بَيانَ الِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يَعْنِي: إنْ كانَ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٍ أنَّ هَذا المَلِكَ لَهُ كَمالٌ وعَظَمَةٌ، فَلَوْ أذْهَبَهُ لَزالَ مُلْكُهُ وعَظَمَتُهُ، فَهو قادِرٌ بِأنْ يَخْلُقَ خَلْقًا جَدِيدًا أحْسَنَ مِن هَذا وأجْمَلَ وأتَمَّ وأكْمَلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيِ الإذْهابُ والإتْيانُ، وهَهُنا مَسْألَةٌ: وهي أنَّ لَفْظَ العَزِيزِ اسْتَعْمَلَهُ اللَّهُ تَعالى تارَةً في القائِمِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ في حَقِّ نَفْسِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحْزابِ: ٢٥) وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطِرٍ: ٢٨) واسْتَعْمَلَهُ في القائِمِ بِغَيْرِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ وقالَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾(التَّوْبَةِ: ١٢٨) فَهَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ أمْ بِمَعْنَيَيْنِ ؟ فَنَقُولُ: العَزِيزُ هو الغالِبُ في اللُّغَةِ، يُقالُ: مَن عَزَّ بَزَّ أيْ مَن غَلَبَ سَلَبَ، فاللَّهُ عَزِيزٌ أيْ غالِبٌ، والفِعْلُ إذا كانَ لا يُطِيقُهُ شَخْصٌ يُقالُ