< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


اللَّيْلُ وفي الشِّتاءِ بِالضِّدِّ فَيَقْصُرُ النَّهارُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى:﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ يَعْنِي سَبَبَ الِاخْتِلافِ وإنْ كانَ ما ذَكَرْتُمْ، لَكِنَّ سَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِإرادَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ فَهو الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ .

أيْ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ مِن فَطْرِ السَّماواتِ والأرْضِ وإرْسالِ الأرْواحِ وإرْسالِ الرِّياحِ وخَلْقِ الإنْسانِ مِن تُرابٍ وغَيْرِ ذَلِكَ لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ، فَلا مَعْبُودَ إلّا هو لِذاتِهِ الكامِلِ ولِكَوْنِهِ مَلِكًا، والمَلِكُ مَخْدُومٌ بِقَدْرِ مُلْكِهِ، فَإذا كانَ لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ فَلَهُ العِبادَةُ كُلُّها، ثُمَّ بَيَّنَ ما يُنافِي صِفَةَ الإلَهِيَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِنَفْسِهِ نَوْعَيْنِ مِنَ الأوْصافِ.

أحَدُهُما: إنَّ الخَلْقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ.

والثّانِي: المُلْكُ، واسْتُدِلَّ بِهِما عَلى أنَّهُ إلَهٌ مَعْبُودٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾﴿مَلِكِ النّاسِ﴾﴿إلَهِ النّاسِ﴾ (النّاسِ: ١ - ٣) ذَكَرَ الرَّبَّ والمَلِكَ ورَتَّبَ عَلَيْهِما كَوْنَهُ إلَهًا أيْ مَعْبُودًا، وذَكَرَ فِيمَن أشْرَكُوا

صفحة ١٢

بِهِ سَلْبَ صِفَةٍ واحِدَةٍ، وهو عَدَمُ المِلْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ سَلْبَ الوَصْفِ الآخَرِ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنْ لا خالِقَ لَهم إلّا اللَّهُ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ أمْرَ الأرْضِ والأرْضِيّاتِ إلى الكَواكِبِ الَّتِي الأصْنامُ عَلى صُورَتِها وطَوالِعِها، فَقالَ: لا مِلْكَ لَهم ولا مَلَّكَهُمُ اللَّهُ شَيْئًا، ولا مَلَكُوا شَيْئًا.

وثانِيهِما: أنَّهُ يَلْزَمُ مِن عَدَمِ المِلْكِ عَدَمُ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَ شَيْئًا لَمَلَكَهُ، فَإذا لَمْ يَمْلِكْ قِطْمِيرًا ما خَلَقَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .

إبْطالًا لِما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ عِزَّةٌ مِن حَيْثُ القُرْبِ مِنها والنَّظَرِ إلَيْها وعَرْضِ الحَوائِجِ عَلَيْها، واللَّهُ لا يَرى ولا يَصِلُ إلَيْهِ أحَدٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: لا يَسْمَعُونَ دُعاءَكم واللَّهُ يَصْعَدُ إلَيْهِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، فَيَسْمَعُ ويَقْبَلُ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ تِلْكَ الدَّرَجَةِ، وقالَ: هَبْ أنَّهم يَسْمَعُونَ كَما يَظُنُّونَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ الأصْنامَ تَسْمَعُ وتَعْلَمُ، ولَكِنْ ما كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: إنَّهم يُجِيبُونَ لِأنَّ ذَلِكَ إنْكارٌ لِلْمُحَسِّ بِهِ، وعَدَمَ سَماعِهِمْ إنْكارٌ لِلْمَعْقُولِ، والنِّزاعُ وإنْ كانَ يَقَعُ في المَعْقُولِ فَلا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في المُحَسِّ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: (﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ لَمّا بَيَّنَ عَدَمَ النَّفْعِ فِيهِمْ في الدُّنْيا بَيَّنَ عَدَمَ النَّفْعِ مِنهم في الآخِرَةِ، بَلْ أشارَ إلى وُجُودِ الضَّرَرِ مِنهم في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أيْ بِإشْراكِكم بِاللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[لقمان: ١٣] أيِ الإشْراكُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ الخَشَبَ والحَجَرَ يَوْمَ القِيامَةِ يَنْطِقُ ويُكَذِّبُ عابِدَهُ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُعْلَمُ بِالعَقْلِ المُجَرَّدِ لَوْلا إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ مَعَ كَوْنِ الخَبَرِ عَنْهُ أمْرًا عَجِيبًا هو كَما قالَ؛ لِأنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ خَبِيرٌ.

وثانِيهِما: هو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِأحَدٍ، أيْ هَذا الَّذِي ذَكَرَ هو كَما قالَ: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ﴾ أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كُنْتَ ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ