< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عِبادَةَ الأصْنامِ.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلْقَ لِلْأصْنامِ ولا قُدْرَةَ لَها، ولا عَلى جُزْءٍ مِنَ الأجْزاءِ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لَمّا بَيَّنَ شِرْكَهم، قالَ مُقْتَضى شِرْكِهِمْ زَوالُ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٩٠) ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كانَ حَلِيمًا ما تَرَكَ تَعْذِيبَهم إلّا حِلْمًا مِنهُ، وإلّا كانُوا يَسْتَحِقُّونَ إسْقاطَ السَّماءِ وانْطِباقَ الأرْضِ عَلَيْهِمْ، وإنَّما أخَّرَ إزالَةَ السَّماواتِ إلى قِيامِ السّاعَةِ حِلْمًا، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنْ يَكُونَ

صفحة ٣٠

ذَلِكَ مِن بابِ التَّسْلِيمِ، وإثْباتِ المَطْلُوبِ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ أيْضًا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: شُرَكاؤُكم ما خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ شَيْئًا، ولا في السَّماءِ جُزْءًا، ولا قَدَرُوا عَلى الشَّفاعَةِ، فَلا عِبادَةَ لَهم. وهَبْ أنَّهم فَعَلُوا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى إمْساكِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ولا يُمْكِنُهُمُ القَوْلُ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَقُولُونَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ فَإذا تَبَيَّنَ أنْ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأشْياءِ، وإنْ قالَ الكافِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ خَلَقَ، فَما خَلَقَ مِثْلَ ما خَلَقَ، فَلا شَرِيكَ لَهُ ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حَلِيمًا حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ في إهْلاكِهِمْ بَعْدَ إصْرارِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ، وغَفُورًا يَغْفِرُ لِمَن تابَ ويَرْحَمُهُ وإنِ اسْتَحَقَّ العِقابَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ إنْكارَهم لِلتَّوْحِيدِ ذَكَرَ تَكْذِيبَهم لِلرَّسُولِ ومُبالَغَتَهم فِيهِ حَيْثُ إنَّهم كانُوا يُقْسِمُونَ عَلى أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ إذا تَبَيَّنَ لَهم كَوْنُهم رُسُلًا، وقالُوا: إنَّما نُكَذِّبُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِكَوْنِهِ كاذِبًا، ولَوْ تَبَيَّنَ لَنا كَوْنُهُ رَسُولًا لَآمَنّا كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ (الأنْعامِ: ١٠٩) وهَذا مُبالَغَةٌ مِنهم في التَّكْذِيبِ، كَما أنَّ مَن يُنْكِرُ دِينَ إنْسانٍ قَدْ يَقُولُ: واللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أنَّ لَهُ شَيْئًا عَلَيَّ لَقَضَيْتُهُ وزِدْتُ لَهُ، إظْهارًا لِكَوْنِهِ مُطالِبًا بِالباطِلِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا عانَدُوا وقالُوا: واللَّهِ لَوْ جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا أهْدى الأُمَمِ، فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ أيْ مُحَمَّدٌ ﷺ جاءَهم؛ أيْ صَحَّ مَجِيئُهُ لَهم بِالبَيِّنَةِ ما زادَهم إلّا نُفُورًا، فَإنَّهم قَبْلَ الرِّسالَةِ كانُوا كافِرِينَ بِاللَّهِ، وبَعْدَها صارُوا كافِرِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ؛ ولِأنَّهم قَبْلَ الرِّسالَةِ ما كانُوا مُعَذَّبِينَ كَما صارُوا بَعْدَ الرِّسالَةِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَلْعَنُونَ اليَهُودَ والنَّصارى عَلى أنَّهم كَذَّبُوا بِرُسُلِهِمْ لَمّا جاءُوهم، وقالُوا: لَوْ جاءَنا رَسُولٌ لَأطَعْناهُ واتَّبَعْناهُ، وهَذا فِيهِ إشْكالٌ مِن حَيْثُ إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِلرِّسالَةِ والحَشْرِ مُطْلَقًا، فَكَيْفَ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالرُّسُلِ، فَمِن أيْنَ عَرَفُوا أنَّ اليَهُودَ كَذَّبُوا وما جاءَهم كِتابٌ ولَوْلا كِتابُ اللَّهِ وبَيانُ رَسُولِهِ مِن أيْنَ كانَ يَعْلَمُ المُشْرِكُونَ أنَّهم صَدَّقُوا شَيْئًا وكَذَّبُوا في شَيْءٍ ؟ بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْنا أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ لَوْ جاءَنا رَسُولٌ لا نُنْكِرُهُ، وإنَّما نُنْكِرُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ رَسُولًا مِن حَيْثُ إنَّهُ كاذِبٌ، ولَوْ صَحَّ كَوْنُهُ رَسُولًا لَآمَنّا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾أيْ