< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah035
Faatir (35)
The Originator, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
حالَ الماضِينَ، وتُصْبِحُونَ بِحالِهِمْ راضِينَ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ لِأنَّ الكافِرَ السّابِقَ كانَ مَمْقُوتًا كالعَبْدِ الَّذِي لا يَخْدِمُ سَيِّدَهُ، واللّاحِقُ الَّذِي أنْذَرَهُ الرَّسُولُ ولَمْ يَنْتَبِهْ أمْقَتُ كالعَبْدِ الَّذِي يَنْصَحُهُ النّاصِحُ ويَأْمُرُهُ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ ويَعِدُهُ ويُوعِدُهُ ولا يَنْفَعُهُ النُّصْحُ ولا يُسْعِدُهُ، والتّالِي لَهُمُ الَّذِي رَأى عَذابَ مَن تَقَدَّمَ ولَمْ يَخْشَ
صفحة ٢٩
عَذابُهُ أمْقَتُ الكُلِّ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ أيِ الكُفْرُ لا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ حَيْثُ لا يَزِيدُ إلّا المَقْتَ، ولا يَنْفَعُهم في أنْفُسِهِمْ حَيْثُ لا يُفِيدُهم إلّا الخَسارَةَ، فَإنَّ العُمْرَ كَرَأْسِ مالٍ مَنِ اشْتَرى بِهِ رِضا اللَّهِ رَبِحَ، ومَنِ اشْتَرى بِهِ سُخْطَهُ خَسِرَ.* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ وإبْطالًا لِلْإشْراكِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ أخْبِرُونِي، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَسْتَدْعِي جَوابًا، يَقُولُ القائِلُ: أرَأيْتَ ماذا فَعَلَ زَيْدٌ ؟ فَيَقُولُ السّامِعُ: باعَ أوِ اشْتَرى، ولَوْلا تَضَمُّنُهُ مَعْنى أخْبِرْنِي، وإلّا لَما كانَ الجَوابُ إلّا قَوْلَهُ: لا أوْ نَعَمْ، وقَوْلُهُ: ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ إنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الأصْنامَ في الحَقِيقَةِ لَمْ تَكُنْ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإنَّما هم جَعَلُوها شُرَكاءَ، فَقالَ: شُرَكاءَكم، أيِ الشُّرَكاءَ بِجَعْلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: شُرَكاءَكم أيْ شُرَكاءَكم في النّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾[الأنْبِياءِ: ٩٨] وهو قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو بَعِيدٌ لِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿أرُونِي﴾ بَدَلٌ عَنْ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّ كِلَيْهِما يُفِيدُ مَعْنى أخْبِرُونِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ، و﴿أرُونِي﴾ أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، فَلَمّا قالَ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ يَعْنِي أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها كَما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها ؟ وإنْ كانَ وقَعَ لَكم أنَّ لَها قُدْرَةً، فَأرُونِي قُدْرَتَها في أيِّ شَيْءٍ هي، أهِيَ في الأرْضِ، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللَّهَ إلَهُ السَّماءِ وهَؤُلاءِ آلِهَةُ الأرْضِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: أُمُورُ الأرْضِ مِنَ الكَواكِبِ والأصْنامِ صُوَرُها ؟ أمْ هي في السَّماواتِ ؟ كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ بِاسْتِعانَةِ المَلائِكَةِ، والمَلائِكَةَ شُرَكاءُ في خَلْقِ السَّماواتِ، وهَذِهِ الأصْنامَ صُوَرُها ؟ أمْ قُدْرَتُها في الشَّفاعَةِ لَكم، كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ المَلائِكَةَ ما خَلَقُوا شَيْئًا، ولَكِنَّهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ فَنَعْبُدُها لِيَشْفَعُوا لَنا، فَهَلْ مَعَهم كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ إذْنُهُ لَهم بِالشَّفاعَةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ في العائِدِ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشُّرَكاءِ، أيْ هَلْ آتَيْنا الشُّرَكاءَ كِتابًا.
وثانِيهِما: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ هَلْ آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا وعَلى الأوَّلِ فَمَعْناهُ ما ذَكَرْنا، أيْ هَلْ مَعَ ما جُعِلَ شَرِيكًا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ أنَّ لَهُ شَفاعَةً عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وعَلى الثّانِي مَعْناهُ أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ، ولا عَقْلَ لِمَن يَعْبُدُ مَن لَمْ يَخْلُقْ مِنَ الأرْضِ جُزْءًا مِنَ الأجْزاءِ، ولا في السَّماءِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ونَحْنُ ما آتَيْنا المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ أمْرُنا بِالسُّجُودِ لِهَؤُلاءِ، ولَوْ أمَرْنا لَجازَ كَما أمَرْنا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وإلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، فَهَذِهِ العِبادَةُ لا عَقْلِيَّةٌ ولا نَقْلِيَّةٌ، فَوَعْدُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ إلّا غُرُورًا غَرَّهُمُ الشَّيْطانُ، وزَيَّنَ لَهم