< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَنْهُ، والدَّلِيلِ الَّذِي لا يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وإنْ أمْكَنَ هو السَّماواتُ والأرْضُ؛ لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ أنْ يَذْهَلَ الإنْسانُ عَنِ السَّماءِ الَّتِي فَوْقَهُ والأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ، فَذَكَرَ ما يَقَعُ الذُّهُولُ عَنْهُ وهو أمْرُ أمْثالِهِمْ وحِكايَةُ أشْكالِهِمْ.

فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

وقالَ في الدَّلِيلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾[الأنْعامِ: ٦] ولَمْ يَقُلْ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إذْ لا حاجَةَ هُناكَ إلى السَّيْرِ بِحُضُورِ النَّفْسِ والسَّماءِ والأرْضِ، وقالَ هَهُنا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ ذَكَّرَهم بِحالِ أمْثالِهِمْ ووَبالِ أشْكالِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أوْلى بِالهَلاكِ؛ لِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِن عادٍ وثَمُودَ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ولَمْ تَنْفَعْهم قُواهم وكانُوا

صفحة ٨٩

أكْثَرَ مالًا وعِمارَةً، ولَمْ يَمْنَعْ عَنْهُمُ الهَلاكَ أمْوالُهم وحُصُونُهم، واعْلَمْ أنَّ اعْتِمادَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: قُوَّةٌ جِسْمِيَّةٌ فِيهِ أوْ في أعْوانِهِ إذْ بِها المُباشَرَةُ، وقُوَّةٌ مالِيَّةٌ إذا بِها التَّأهُّبُ لِلْمُباشَرَةِ، وقُوَّةٌ ظَهْرِيَّةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْها عِنْدَ الضَّعْفِ والفُتُورِ وهي بِالحُصُونِ والعَمائِرِ، فَقالَ تَعالى: كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً في الجِسْمِ وأكْثَرَ مِنهم مالًا؛ لِأنَّهم أثارُوا الأرْضَ أيْ حَرَثُوها، ومِنهُ بَقَرَةٌ تُثِيرُ الأرْضَ، وقِيلَ مِنهُ سُمِّيَ ثَوْرًا، وأنْتُمْ لا حِراثَةَ لَكم فَأمْوالُهم كانَتْ أكْثَرَ، وعِمارَتُهم كانَتْ أكْثَرَ؛ لِأنَّ أبْنِيَتَهم كانَتْ رَفِيعَةً، وحُصُونُهم مَنِيعَةً، وعِمارَةُ أهْلِ مَكَّةَ كانَتْ يَسِيرَةً ثُمَّ هَؤُلاءِ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وأمَرُوهم ونَهَوْهم، فَلَمّا كَذَّبُوا أُهْلِكُوا فَكَيْفَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالتَّكْلِيفِ، فَإنَّ التَّكْلِيفَ شَرِيفٌ لا يُؤْثَرُ لَهُ إلّا مَحَلٌّ شَرِيفٌ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِها في مَوْضِعٍ خَسِيسٍ، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ واتِّباعُ إبْلِيسَ، فَكَأنَّ اللَّهَ بِالتَّكْلِيفِ وضَعَهم فِيما خُلِقُوا لَهُ وهو الرِّبْحُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُكم لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْكم، والوَضْعُ في [ أيِّ ] مَوْضِعٍ كانَ الخَلْقُ لَهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وأمّا هم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم في مَواضِعِ الخُسْرانِ ولَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا إلّا لِلرِّبْحِ فَهم كانُوا ظالِمِينَ، وهَذا الكَلامُ مِنّا، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ يُشْبِهُ كَلامَ المُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ العاقِلَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وهو أنَّ هَذا الوَضْعَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، لَكِنَّهُ كانَ مِنهم ومُضافًا إلَيْهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾

كَما قالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾[يونس: ٢٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ قِيلَ مَعْناهُ بِأنْ كَذَّبُوا أيْ كانَ عاقِبَتُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا، وقِيلَ مَعْناهُ أساءُوا وكَذَّبُوا، فَكَذَّبُوا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِأساءُوا وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطائِفُ.

إحْداها: قالَ في حَقِّ الَّذِينَ أحْسَنُوا: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ وقالَ في حَقِّ مَن أساءَ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَنَّةَ لَهم مِنَ ابْتِداءِ الأمْرِ فَإنَّ الحُسْنى اسْمُ الجَنَّةِ والسُّوءى اسْمُ النّارِ، فَإذا كانَتِ الجَنَّةُ لَهم ومِن الِابْتِداءِ، ومَن لَهُ شَيْءٌ كُلَّما يَزْدادُ ويَنْمُو فِيهِ فَهو لَهُ؛ لِأنَّ مِلْكَ الأصْلِ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَرَةِ، فالجَنَّةُ مِن حَيْثُ خُلِقَتْ تَرْبُو وتَنْمُو لِلْمُحْسِنِينَ، وأمّا الَّذِينَ أساءُوا، فالسُّوءى وهي جَهَنَّمُ في العاقِبَةِ مَصِيرُهم إلَيْها.

الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُحْسِنِ ولَمْ يَذْكُرِ الزِّيادَةَ في حَقِّ المُسِيءِ؛ لِأنَّ جَزاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.

الثّالِثَةُ: لَمْ يَذْكُرْ في المُحْسِنِ أنَّ لَهُ الحُسْنى بِأنَّهُ صَدَّقَ، وذَكَرَ في المُسِيءِ أنَّ لَهُ السُّوءى بِأنَّهُ كَذَّبَ؛ لِأنَّ الحُسْنى لِلْمُحْسِنِينَ فَضْلٌ، والمُتَفَضِّلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفَضُّلُهُ لِسَبَبٍ يَكُونُ أبْلَغَ،