< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah029
Al-Ankaboot (29)
The Spider, makkah, 69 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ٢٣
(سُورَةُ العَنْكَبُوتِ)مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى رَأْسِ عَشْرٍ بِمَكَّةَ وباقِيها بِالمَدِينَةِ أوْ نَزَلَ إلى آخِرِ العَشْرِ بِالمَدِينَةِ وباقِيها بِمَكَّةَ وبِالعَكْسِ، وهي سَبْعُونَ أوْ تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً
﷽
﴿الم﴾﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾
﷽
﴿الم﴾﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ وكانَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَرُدَّهُ إلى مَكَّةَ ظاهِرًا غالِبًا عَلى الكُفّارِ ظافِرًا طالِبًا لِلثَّأْرِ، وكانَ فِيهِ احْتِمالُ مَشاقِّ القِتالِ صَعُبَ عَلى البَعْضِ ذَلِكَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الم﴾﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ ولا يُؤْمَرُوا بِالجِهادِ.
الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في أواخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ وكانَ في الدُّعاءِ إلَيْهِ الطِّعانُ والحِرابُ والضِّرابُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابَهُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالجِهادِ إنْ لَمْ يُؤْمِنِ الكُفّارُ بِمُجَرَّدِ الدُّعاءِ فَشَقَّ عَلى البَعْضِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يُبْطِلُ قَوْلَ المُنْكِرِينَ لِلْحَشْرِ فَقالَ: ﴿لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَعْنِي لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكًا مِن غَيْرِ رُجُوعٍ بَلْ كُلُّ هالِكٍ ولَهُ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ.
إذا تَبَيَّنَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ مُنْكِرِي الحَشْرِ يَقُولُونَ: لا فائِدَةَ في التَّكالِيفِ فَإنَّها مَشاقُّ في الحالِ ولا فائِدَةَ لَها في المَآلِ؛ إذْ لا مَآلَ ولا مَرْجِعَ بَعْدَ الهَلاكِ والزَّوالِ، فَلا فائِدَةَ فِيها.
فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم إلَيْهِ يُرْجَعُونَ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ عَلى ما حَسِبُوهُ، بَلْ حَسُنَ التَّكْلِيفُ لِيُثِيبَ الشَّكُورَ ويُعَذِّبَ الكَفُورَ، فَقالَ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ مِن غَيْرِ عَمَلٍ يَرْجِعُونَ بِهِ إلى رَبِّهِمْ.
صفحة ٢٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حِكْمَةِ افْتِتاحِ هَذِهِ السُّورَةِ بِحُرُوفٍ مِنَ التَّهَجِّي، ولْنُقَدِّمْ عَلَيْهِ كَلامًا كُلِّيًّا في افْتِتاحِ السُّوَرِ بِالحُرُوفِ فَنَقُولُ: الحَكِيمُ إذا خاطَبَ مَن يَكُونُ مَحَلَّ الغَفْلَةِ أوْ مَن يَكُونُ مَشْغُولَ البالِ بِشُغْلٍ مِنَ الأشْغالِ يُقَدِّمُ عَلى الكَلامِ المَقْصُودِ شَيْئًا غَيْرَهُ لِيَلْتَفِتَ المُخاطَبُ بِسَبَبِهِ إلَيْهِ ويُقْبِلَ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَشْرَعُ في المَقْصُودِ.إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَلِكَ المُقَدَّمُ عَلى المَقْصُودِ قَدْ يَكُونُ كَلامًا لَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ، كَقَوْلِ القائِلِ اسْمَعْ، واجْعَلْ بالَكَ إلَيَّ، وكُنْ لِي، وقَدْ يَكُونُ شَيْئًا هو في مَعْنى الكَلامِ المَفْهُومِ كَقَوْلِ القائِلِ: أزَيْدُ ويا زَيْدُ ألا يا زَيْدُ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المُقَدَّمُ عَلى المَقْصُودِ صَوْتًا غَيْرَ مَفْهُومٍ كَمَن يُصَفِّرُ خَلْفَ إنْسانٍ لِيَلْتَفِتَ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الصَّوْتُ بِغَيْرِ الفَمِ كَما يُصَفِّقُ الإنْسانُ بِيَدَيْهِ لِيُقْبِلَ السّامِعُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّ مَوْقِعَ الغَفْلَةِ كُلَّما كانَ أتَمَّ والكَلامَ المَقْصُودَ كانَ أهَمَّ، كانَ المُقَدَّمُ عَلى المَقْصُودِ أكْثَرَ. ولِهَذا يُنادى القَرِيبُ بِالهَمْزَةِ فَيُقالُ أزَيْدُ، والبَعِيدُ بِيا فَيُقالُ: يا زَيْدُ، والغافِلُ يُنَبَّهُ أوَّلًا فَيُقالُ: ألا يا زَيْدُ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وإنْ كانَ يَقْظانَ الجَنانِ لَكِنَّهُ إنْسانٌ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، فَكانَ يَحْسُنُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يُقَدِّمَ عَلى الكَلامِ المَقْصُودِ حُرُوفًا هي كالمُنَبِّهاتِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحُرُوفَ إذا لَمْ تَكُنْ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مَعْناها تَكُونُ أتَمَّ في إفادَةِ المَقْصُودِ الَّذِي هو التَّنْبِيهُ مِن تَقْدِيمِ الحُرُوفِ الَّتِي لَها مَعْنًى؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ الحُرُوفِ إذا كانَ لِإقْبالِ السّامِعِ عَلى المُتَكَلِّمِ لِسَماعِ ما بَعْدَ ذَلِكَ فَإذا كانَ ذَلِكَ المُقَدَّمُ كَلامًا مَنظُومًا وقَوْلًا