< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾

ذَكَرَ هَذا تَحْرِيضًا، يَعْنِي أنَّكم إذا طُلِبَ مِنكم واحِدٌ بِاثْنَيْنِ تَرْغَبُونَ فِيهِ وتُؤْتُونَهُ، وذَلِكَ لا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، والزَّكاةُ تَنْمُو عِنْدَ اللَّهِ كَما أخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ في يَدِ الرَّحْمَنِ فَتَرْبُو حَتّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ» “ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُكم عَلى الزَّكاةِ أكْثَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ أيْ أُولَئِكَ ذَوُو الأضْعافِ كالمُوسِرِ لِذِي اليَسارِ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ عَشَرَةُ أضْعافٍ، كُلٌّ مَثَلٌ لِما آتى في كَوْنِهِ حَسَنَةً لا في المِقْدارِ، فَلا يُفْهَمُ أنَّ مَن أعْطى رَغِيفًا يُعْطِيهِ اللَّهُ عَشَرَةَ أرْغِفَةٍ، بَلْ مَعْناهُ أنَّ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُهُ مِنَ الثَّوابِ عَلى وجْهِ الرَّحْمَةِ يُضاعِفُهُ اللَّهُ عَشَرَةَ مَرّاتٍ عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ، فَبِالرَّغِيفِ الواحِدِ يَكُونُ لَهُ قَصْرٌ في الجَنَّةِ فِيهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثَوابًا نَظَرًا إلى الرَّحْمَةِ، وعَشْرُ قُصُورٍ مِثْلِهِ نَظَرًا إلى الفَضْلِ. مِثالُهُ في الشّاهِدِ: مَلِكٌ عَظِيمٌ قَبِلَ مِن عَبْدِهِ هَدِيَّةً قِيمَتُها دِرْهَمٌ، لَوْ عَوَّضَهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ لا يَكُونُ كَرَمًا، بَلْ إذا جَرَتْ عادَتُهُ بِأنَّهُ يُعْطِي عَلى مِثْلِ ذَلِكَ ألْفًا، فَإذا أعْطى لَهُ عَشَرَةَ آلافٍ فَقَدْ ضاعَفَ لَهُ الثَّوابَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ أوْجَدَكم ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أيْ أبْقاكم، فَإنَّ العَرَضَ مَخْلُوقٌ ولَيْسَ بِمُبَقًى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ إثْباتِ

صفحة ١١٢

الأصْلَيْنِ الحَشْرِ والتَّوْحِيدِ، أمّا الحَشْرُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ والدَّلِيلُ قُدْرَتُهُ عَلى الخَلْقِ ابْتِداءً، وأمّا التَّوْحِيدُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ”سُبْحانَهُ“ أيْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا، أيْ نَزِّهُوهُ ولا تَصِفُوهُ بِالإشْراكِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَعالى﴾ أيْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وهَذا لِأنَّ مَن لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ قَدْ يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ سَبِّحُوهُ أيْ لا تَصِفُوهُ بِالإشْراكِ، وإذا قالَ وتَعالى فَكَأنَّهُ قالَ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ الشِّرْكَ سَبَبُ الفَسادِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾[الأنبياء: ٢٢] وإذا كانَ الشِّرْكُ سَبَبُهُ جَعْلُ اللَّهِ إظْهارَهُمُ الشِّرْكَ مُوَرِّثًا لِظُهُورِ الفَسادِ، ولَوْ فَعَلَ بِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهم: ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾[المؤمنون: ٧١] كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾[مريم: ٩٠] وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ واخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ خَوْفُ الطُّوفانِ في البَرِّ والبَحْرِ، وقالَ بَعْضُهم: عَدَمُ إنْباتِ بَعْضِ الأراضِي ومُلُوحَةِ مِياهِ البِحارِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ المُدُنُ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي المَدائِنَ بُحُورًا لِكَوْنِ مَبْنى عِمارَتِها عَلى الماءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ ظُهُورَ الفَسادِ في البَحْرِ قِلَّةُ مِياهِ العُيُونِ فَإنَّها مِنَ البِحارِ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ فَسادٍ يَكُونُ فَهو بِسَبَبِ الشِّرْكِ، لَكِنَّ الشِّرْكَ قَدْ يَكُونُ في العَمَلِ دُونَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ فَيُسَمّى فِسْقًا وعِصْيانًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعْصِيَةَ فِعْلٌ لا يَكُونُ لِلَّهِ بَلْ يَكُونُ لِلنَّفْسِ، فالفاسِقُ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ بِفِعْلِهِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الشِّرْكَ بِالفِعْلِ لا يُوجِبُ الخُلُودَ؛