< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah030
Ar-Room (30)
The Romans, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِإذْنِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ قِيلَ هي ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، أبْهَمَ الوَقْتَ مَعَ أنَّ المُعْجِزَةَ في تَعْيِينِ الوَقْتِ أتَمُّ، فَنَقُولُ السَّنَةُ والشَّهْرُ واليَوْمُ والسّاعَةُ كُلُّها مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَها لِنَبِيِّهِ وما أذِنَ لَهُ في إظْهارِها؛ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا مُعانِدِينَ، والأُمُورُ الَّتِي تَقَعُ في البِلادِ النّائِيَةِ تَكُونُ مَعْلُومَةَ الوُقُوعِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إنْكارُها لَكِنَّ وقْتَها يُمْكِنُ الِاخْتِلافُ فِيهِ، فالمُعانِدُ كانَ يَتَمَكَّنُ مِن أنْ يَرْجُفَ بِوُقُوعِ الواقِعَةِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيَحْصُلَ الخُلْفُ في كَلامِهِ، ولَمّا ورَدَتِ الآيَةُ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ وأنْكَرَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وغَيْرُهُ، وناحَبُوا أبا بَكْرٍ أيْ خاطَرُوهُ عَلى عَشَرَةِ قَلائِصَ إلى ثَلاثِ سِنِينَ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِي بَكْرٍ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ فَزايَدَهُ في الإبِلِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلا القَلائِصَ مِائَةً والأجَلَ سَبْعًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِوَقْتِ الغَلَبَةِ.
[ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الغَلَبَةِ ومِن بَعْدِها، أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ المُدَّةِ ومِن بَعْدِها، يَعْنِي إنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم قَبْلَ بِضْعِ سِنِينَ، وإنْ أرادَ غَلَبَهم غَلَبَهم بَعْدَها، وما قَدَّرَ هَذِهِ المُدَّةَ لِعَجْزٍ وإنَّما هي إرادَةٌ نافِذَةٌ، وبُنِيا عَلى الضَّمِّ لَمّا قُطِعا عَنِ الإضافَةِ؛ لِأنَّ غَيْرَ الضَّمَّةِ مِنَ الفَتْحَةِ والكَسْرَةِ يُشْتَبَهُ بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِما وهو النَّصْبُ والجَرُّ، أمّا النَّصْبُ فَفي قَوْلِكَ جِئْتُ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وأمّا الجَرُّ فَفي قَوْلِكَ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ فَبُنِيا عَلى الضَّمِّ لِعَدَمِ دُخُولِ مِثْلِهِما عَلَيْهِ في الإعْرابِ وهو الرَّفْعُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ يَفْرَحُونَ بِغَلَبَةِ الرُّومِ عَلى الفُرْسِ كَما فَرِحَ المُشْرِكُونَ بِغَلَبَةِ الفُرْسِ عَلى الرُّومِ، والأصَحُّ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِغَلَبَتِهِمُ المُشْرِكِينَ وذَلِكَ لِأنَّ غَلَبَةَ الرُّومِ كانَتْ يَوْمَ غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما صَحَّ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ خَبَرُ الكَسْرِ، فَلا يَكُونُ فَرَحُهم يَوْمَئِذٍ، بَلِ الفَرَحُ يَحْصُلُ بَعْدَهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ قَدَّمَ المَصْدَرَ عَلى الفِعْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ﴾ وقَدَّمَ الفِعْلَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ أنَّ النُّصْرَةَ بِيَدِ اللَّهِ إنْ أرادَ نَصَرَ وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يَنْصُرْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النُّصْرَةَ ووُقُوعَها والمَقْصُودُ هُناكَ إظْهارُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نَصَرَهُ، فالمَقْصُودُ هُناكَ الفِعْلُ ووُقُوعُهُ، فَقَدَّمَ هُناكَ الفِعْلَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَصْدَرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ هَهُنا كَوْنُ المَصْدَرُ عِنْدَ اللَّهِ إنْ أرادَ فَعَلَ فَقَدَّمَ المَصْدَرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ذَكَرَ مِن أسْمائِهِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ بَلْ سَلَّطَ العَدُوَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ وعَدَمِ افْتِقارِهِ، وإنْ نَصَرَ المُحِبَّ فَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ عَلَيْهِ، أوْ نَقُولُ: إنْ نَصَرَ اللَّهُ المُحِبِّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ العَدُوِّ ورَحْمَتِهِ عَلى المُحِبِّ، وإنْ لَمْ يَنْصُرِ المُحِبَّ فَلِعِزَّتِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ المُحِبِّ، ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ واصِلَةٌ إلَيْهِ.* * *
ثُمَّ