< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah028
Al-Qasas (28)
The Stories, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قالَ: إنَّكَ لَمّا أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِهَذا الإنْعامِ، فَإنِّي لا أكُونُ مُعاوِنًا لِأحَدٍ مِنَ المُجْرِمِينَ، بَلْ أكُونُ مُعاوِنًا لِلْمُسْلِمِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أقْدَمَ عَلَيْهِ مِن إعانَةِ الإسْرائِيلِيِّ عَلى القِبْطِيِّ كانَ طاعَةً لا مَعْصِيَةً، إذْ لَوْ كانَتْ مَعْصِيَةً، لَنَزَلَ الكَلامُ مَنزِلَةَ ما إذا قِيلَ: إنَّكَ لَمّا أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِقَبُولِ تَوْبَتِي عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، فَإنِّي أكُونُ مُواظِبًا عَلى مِثْلِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: كَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا، والباءُ لِلْقَسَمِ أيْ
صفحة ٢٠٢
بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ.وثالِثُها: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ خَبَرٌ ومَعْناهُ الدُّعاءُ، كَأنَّهُ قالَ: فَلا تَجْعَلْنِي ظَهِيرًا، قالَ الفَرّاءُ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: (فَلا تَجْعَلْنِي ظَهِيرًا) . واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مُعاوَنَةُ الظَّلَمَةِ والفَسَقَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَسْتَثْنِ ولَمْ يَقُلْ: فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا إنْ شاءَ اللَّهُ، فابْتُلِيَ بِهِ في اليَوْمِ الثّانِي، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ في اليَوْمِ الثّانِي تَرَكَ الإعانَةَ، وإنَّما خافَ مِنهُ ذَلِكَ العَدُوُّ، فَقالَ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ (القَصَصِ: ١٩) لا أنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِنَ الوَكْزِ أصْبَحَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَدٍ ذَلِكَ اليَوْمِ خائِفًا مِن أنْ يَظْهَرَ أنَّهُ هو القاتِلُ فَيُطْلَبُ بِهِ، وخَرَجَ عَلى اسْتِتارٍ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾ وهو الإسْرائِيلِيُّ ﴿بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَطْلُبُ نُصْرَتَهُ بِصِياحٍ وصُراخٍ، قالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الغَوِيُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ؛ أيْ إنَّكَ لَمُغْوٍ لِقَوْمِي، فَإنِّي وقَعْتُ بِالأمْسِ فِيما وقَعْتُ فِيهِ بِسَبَبِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الغاوِي. واحْتَجَّ بِهِ مَن قَدَحَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ مَن شِيعَتِهُ يَسْتَصْرِخُهُ ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا غِلاظًا جُفاةً ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٣٨) فالمُرادُ بِالغَوِيِّ المُبِينِ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمّاهُ غَوِيًّا؛ لِأنَّ مَن تَكْثُرُ مِنهُ المُخاصَمَةُ عَلى وجْهٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ دَفْعُ خَصْمِهِ عَمّا يَرُومُهُ مِن ضَرَرِهِ يَكُونُ خِلافَ طَرِيقَةِ الرُّشْدِ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ﴾ أهْوَ مِن كَلامِ الإسْرائِيلِيِّ أوِ القِبْطِيِّ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: لَمّا خاطَبَ مُوسى الإسْرائِيلِيَّ بِأنَّهُ غَوِيٌّ ورَآهُ عَلى غَضَبٍ ظَنَّ لَمّا هَمَّ بِالبَطْشِ أنَّهُ يُرِيدُهُ، فَقالَ هَذا القَوْلَ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ قَتْلَهُ بِالأمْسِ لِلرَّجُلِ إلّا هو، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِظُهُورِ القَتْلِ ومَزِيدِ الخَوْفِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو قَوْلُ القِبْطِيِّ، وقَدْ كانَ عَرَفَ القِصَّةَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ، والظّاهِرُ هَذا الوجه؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى﴾
صفحة ٢٠٣
فَهَذا القَوْلُ إذَنْ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ