< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah026
Ash-Shu'araa (26)
The Poets, makkah, 227 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
القِصَّةَ مَشْرُوحَةً في سُورَةِ القَصَصِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في التِماسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُضَمَّ إلَيْهِ هارُونُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَعْفى مِنَ الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ بَلْ مَقْصُودُهُ فِيما سَألَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ الذَّهابُ عَلى أقْوى الوُجُوهِ في الوُصُولِ إلى المُرادِ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ وإنْ كانَ نَبِيًّا فَهو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُؤَدِّيَ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ، وهَذا قَوْلُ الكَعْبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ البَغْدادِيِّينَ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ دُخُولَ الشَّرْطِ في تَكْلِيفِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ تَعالى إذا أمَرَ فَهو عالِمٌ بِما يَتَمَكَّنُ مِنهُ المَأْمُورُ وبِأوْقاتِ تَمَكُّنِهِ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهُ بِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فالأقْرَبُ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَعْلَمُونَ إذا حَمَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُمَكِّنُهم مِن أدائِها وأنَّهم سَيَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إغْراءً في الأنْبِياءِ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ إغْراءً في غَيْرِهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنهُ ؟
جَوابُهُ: لا والمُرادُ لَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ في زَعْمِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَرَّهم.
والثّانِي: أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ هارُونَ.
فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ”كَلّا“ ومَعْناهُ ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ وأجابَهُ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبا﴾ أيِ اذْهَبْ أنْتَ والَّذِي طَلَبْتَهُ وهو هارُونُ فَإنْ قِيلَ: عَلامَ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فاذْهَبا﴾ ؟ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”كَلّا“ كَأنَّهُ قالَ: ارْتَدِعْ يا مُوسى عَمّا تَظُنُّ فاذْهَبْ أنْتَ وهارُونُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ فَمِن مَجازِ الكَلامِ يُرِيدُ أنا لَكُما ولِعَدُوِّكُما كالنّاصِرِ الظَّهِيرِ لَكُما عَلَيْهِ، إذًا أحْضُرَ وأسْتَمِعَ ما يَجْرِي بَيْنَكُما فَأُظْهِرَكُما عَلَيْهِ وأُعْلِيكُما وأكْسِرُ شَوْكَتَهُ عَنْكُما، وإنَّما جَعَلْنا الِاسْتِماعَ مَجازًا لِأنَّ الِاسْتِماعَ عِبارَةٌ عَنِ الإصْغاءِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ هَلّا ثُنِّيَ الرَّسُولُ كَما ثُنِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾[طه: ٤٠] جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ اسْمٌ لِلْماهِيَّةِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ تِلْكَ الماهِيَّةَ واحِدَةٌ أوْ كَثِيرَةٌ والألِفُ واللّامُ لا يُفِيدانِ إلّا الوَحْدَةَ لا الِاسْتِغْراقَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ ولا تَقُولُ: كُلُّ إنْسانٍ هو الضَّحّاكُ، ولا أيْضًا هَذا الإنْسانُ هو الضَّحّاكُ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ وثَبَتَ أنَّ الماهِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الواحِدِ وعَلى الِاثْنَيْنِ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الرَّسُولَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الرِّسالَةَ قالَ الشّاعِرُ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
فَيَكُونُ المَعْنى: إنّا ذُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.وثالِثُها: أنَّهُما لِاتِّفاقِهِما عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ واتِّحادِهِما بِسَبَبِ الأُخُوَّةِ كَأنَّهُما رَسُولٌ واحِدٌ.
ورابِعُها: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولٌ.
وخامِسُها: ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِ هو الرَّسُولُ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا﴾ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ وهو ضَعِيفٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الإرْسالِ التَّخْلِيَةُ والإطْلاقُ كَقَوْلِكَ: أرْسِلِ البازِيَّ، يُرِيدُ خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ