< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah026
Ash-Shu'araa (26)
The Poets, makkah, 227 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وحَمِيَ غَضَبُهُ، قَطَعَ مُباثَةَ صاحِبِهِ وأقْبَلَ عَلى الجانِي يُوَبِّخُهُ ويُعَنِّفُهُ بِهِ، ويَقُولُ لَهُ: ألا تَتَّقِي اللَّهَ ألّا تَسْتَحِي مِنَ النّاسِ، فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في هَذا الِالتِفاتِ والخِطابُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وقْتِ المُناجاةِ، والمُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ غائِبُونَ لا يَشْعُرُونَ ؟ قُلْتُ: إجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ إلى مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهم ومُنْهِيهِ إلَيْهِمْ، ولَهُ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى زِيادَةِ التَّقْوى، وكَمْ مِن آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكافِرِينَ وفِيها أوْفَرُ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَدَبُّرًا لَها واعْتِبارًا بِمَوارِدِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذَّهابِ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ هارُونَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ لَهُ إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، وحاصِلُها أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هارُونُ، لاخْتَلَّتِ المَصْلَحَةُ المَطْلُوبَةُ مِن بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ رُبَّما كَذَّبَهُ، والتَّكْذِيبُ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِتَعَسُّرِ الكَلامِ عَلى مَن يَكُونُ في لِسانِهِ حُبْسَةٌ؛ لِأنَّ
صفحة ١٠٧
عِنْدَ ضِيقِ القَلْبِ تَنْقَبِضُ الرُّوحُ والحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ إلى باطِنِ القَلْبِ، وإذا انْقَبَضا إلى الدّاخِلِ وخَلا مِنهُما الخارِجُ ازْدادَتِ الحُبْسَةُ في اللِّسانِ، فالتَّأذِّي مِنَ التَّكْذِيبِ سَبَبٌ لِضِيقِ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ سَبَبٌ لِلْحُبْسَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِخَوْفِ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ ثَنّى بِضِيقِ الصَّدْرِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِعَدَمِ انْطِلاقِ اللِّسانِ. وأمّا هارُونُ فَهو أفْصَحُ لِسانًا مِنِّي ولَيْسَ في حَقِّهِ هَذا المَعْنى، فَكانَ إرْسالُهُ لائِقًا.الثّانِي: أنَّ لَهم عِنْدِي ذَنْبًا فَأخافُ أنْ يُبادِرُوا إلى قَتْلِي، وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ. وأمّا هارُونُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَضِيقُ“ و”يَنْطَلِقُ“ بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُما مَعْطُوفانِ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، وبِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِما عَلى صِلَةِ أنْ، والمَعْنى: أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ، وأخافُ أنْ يَضِيقَ صَدْرِي، وأخافُ أنْ لا يَنْطَلِقَ لِسانِي، والفَرْقُ أنَّ الرَّفْعَ يُفِيدُ ثَلاثَ عِلَلٍ في طَلَبِ إرْسالِ هارُونَ، والنَّصْبَ يُفِيدُ عِلَّةً واحِدَةً، وهي الخَوْفُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنْ قُلْتَ: الخَوْفُ غَمٌّ يَحْصُلُ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ سَيَقَعُ، وعَدَمُ انْطِلاقِ اللِّسانِ كانَ حاصِلًا، فَكَيْفَ جازَ تَعَلُّقُ الخَوْفِ بِهِ ؟ قُلْتُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي سَيَقَعُ يُوجِبُ ضِيقَ القَلْبِ، وضِيقُ القَلْبِ يُوجِبُ زِيادَةَ الِاحْتِباسِ، فَتِلْكَ الزِّيادَةُ ما كانَتْ حاصِلَةً في الحالِ بَلْ كانَتْ مُتَوَقَّعَةً، فَجازَ تَعْلِيقُ الخَوْفِ عَلَيْها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ فَلَيْسَ في الظّاهِرِ ذِكْرُ مَنِ الَّذِي يُرْسَلُ إلَيْهِ، وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ والتَقى بِهارُونَ وهو لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ: أنا مُوسى، فَتَعارَفا وأمَرَهُ أنْ يَنْطَلِقَ مَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ لِأداءِ الرِّسالَةِ، فَصاحَتْ أُمُّهُما لِخَوْفِها عَلَيْهِما فَذَهَبا إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أرْسِلْ إلَيْهِ جِبْرِيلَ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ هو مُتَعَيِّنًا لِهَذا الأمْرِ حُذِفَ ذِكْرُهُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وأيْضًا لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ يُرْسَلُ لِماذا، لَكِنَّ فَحْوى الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَهُ لِلْمَعُونَةِ فِيما سَألَ، كَما يُقالُ إذا نابَتْكَ نائِبَةٌ: فَأرْسِلْ إلى فُلانٍ أيْ لِيُعِينَكَ فِيها ولَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّهُ التَمَسَ كَوْنَ هارُونَ نَبِيًّا مَعَهُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾فَأرادَ بِالذَّنْبِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ