< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


١٠٨] فَإنْ قِيلَ وأيُّ غَرَضٍ لَهُ في أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ويَمْدَحَ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو عَلى لِسانِ الحِكْمَةِ: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ قَدْ بَيَّنّا أنَّها مُؤَثِّرَةٌ في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ بَعْضَها قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَعْجِزُ عَنِ التَّأْثِيرِ فَإذا اجْتَمَعَتْ طائِفَةٌ مِنها فَرُبَّما قَوِيَ مَجْمُوعُها عَلى ما عَجَزَتِ الآحادُ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مَشاهَدٌ في المُؤَثِّراتِ الجُسْمانِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالإنْسانُ الواحِدُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِ الجَمْعُ العَظِيمُ ويَمْدَحُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، فَرُبَّما صارَ انْصِرافُ هِمَمِهِمْ عِنْدَ الِاجْتِماعِ إلَيْهِ سَبَبًا لِحُصُولِ زِيادَةِ كَمالٍ لَهُ.

الثّانِي: وهو عَلى لِسانِ الكَمالِ: أنَّ مَن صارَ مَمْدُوحًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَدْحُ وتِلْكَ الشُّهْرَةُ داعِيًا لِغَيْرِهِ إلى اكْتِسابِ مِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.

التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَكُونُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هُوَمُحَمَّدٌ ﷺ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .

التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ اتِّفاقُ أهْلِ الأدْيانِ عَلى حُبِّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ذَلِكَ لِأنَّكَ لا تَرى أهْلَ دِينٍ إلّا ويَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَحَ بَعْضُهم فِيهِ بِأنَّهُ لا تَقْوى الرَّغْبَةُ في مَدْحِ الكافِرِ وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مَدْحَ الكافِرِ مِن حَيْثُ هو كافِرٌ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَمْدُوحَ كُلِّ إنْسانٍ ومَحْبُوبَ كُلِّ قَلْبٍ.

المَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا طَلَبَ بَعْدَها سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ لِأنَّهُ الَّذِي يُغْتَنَمُ في الدُّنْيا، فَشَبَّهَ غَنِيمَةَ الآخِرَةِ بِغَنِيمَةِ الدُّنْيا.

المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن طَلَبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ لِنَفْسِهِ طَلَبَها لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ وهو أبُوهُ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالإسْلامِ وطَلَبُ المَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى أنَّهُ دُعاءٌ لِأبِيهِ بِالإسْلامِ.

الثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ الإسْلامَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ﴾

صفحة ١٣٠

﴿مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾[التوبة: ١١٤] فَدَعا لَهُ لِهَذا الشَّرْطِ ولا يَمْتَنِعُ الدُّعاءُ لِلْكافِرِ عَلى هَذا الشَّرْطِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾[التوبة: ١١٤] وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدُّعاءَ بِهَذا الشَّرْطِ جائِزٌ لِلْكافِرِ فَلَوْ كانَ دُعاؤُهُ مَشْرُوطًا لَما مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّ أباهُ قالَ لَهُ: إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نَمْرُوذَ ظاهِرًا تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، لِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ فَلَوْلا اعْتِقادُهُ فِيهِ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ لَما قالَ ذَلِكَ.

المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الإخْزاءُ مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ وهَهُنا أبْحاثٌ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .

وثانِيها: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ومَتى حَصَلَتِ الجَنَّةُ امْتَنَعَ حُصُولُ الخِزْيِ، فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾[النحل: ٢٧]فَمًا كانَ نَصِيبُ الكُفّارِ فَقَطْ فَكَيْفَ يَخافُهُ المَعْصُومُ ؟ جَوابُهُ: كَما أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَكَذا دَرَجاتُ