< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أحَدِ الجانِبَيْنِ تَفْرِيطٌ في الجانِبِ الآخَرِ وبِالعَكْسِ فالصَّلاحُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِدالِ، ولَمّا كانَ الِاعْتِدالُ الحَقِيقِيُّ شَيْئًا واحِدًا لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ البَتَّةَ والأفْكارُ البَشَرِيَّةُ في هَذا العالَمِ قاصِرَةً عَلى إدْراكِ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ، لا جَرَمَ لا يَنْفَكُّ البَشَرُ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الحَدِّ وإنْ قَلَّ، إلّا أنَّ خُرُوجَ المُقَرَّبِينَ عَنْهُ يَكُونُ في القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِهِ، وخُرُوجُ العُصاةِ عَنْهُ يَكُونُ مُتَفاحِشًا جِدًّا فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا تَحْقِيقُ ما قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وظَهَرَ احْتِياجُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَقُولَ:﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .

المَطْلَبُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُكْمِ العِلْمُ، ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعْطِيَهُ العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في قَلْبِ العَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ العَبْدِ صالِحًا لَيْسَ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ، لِأنَّ عِنْدَ الخَصْمِ كُلَّ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ فَقَدْ فَعَلَهُ فَلَوْ صَرَفْنا الدُّعاءَ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو فاسِدٌ.

* * *

المَطْلَبُ الثّالِثُ: أنَّ الحُكْمَ المَطْلُوبَ في الدُّعاءِ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ أوْ بِغَيْرِهِ والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ كَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِلْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ كانَ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ العِلْمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى شاغِلٌ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِما يَشْغَلُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا كَمالَ فَوْقَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ، فَإذَنِ المَطْلُوبُ بِهَذا الدُّعاءِ هو العِلْمُ بِاللَّهِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ هو العِلْمَ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ أوْ غَيْرُهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ حاصِلًا لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لا يَكُونُ حاصِلًا عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا كانَ حاصِلًا عِنْدَهُ امْتَنَعَ طَلَبُ تَحْصِيلِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَطْلُوبَ بِهَذا الدُّعاءِ دَرَجاتٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أزْيَدُ مِنَ العِلْمِ بِوُجُودِهِ وبِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وبِأنَّهُ عالَمٌ قادِرٌ حَيٌّ، وما ذاكَ إلّا الوُقُوفُ عَلى صِفاتِ الجَلالِ أوِ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ أوْ ظُهُورُ نُورِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ

صفحة ١٢٩

فِي القَلْبِ. ثُمَّ هُناكَ أحْوالٌ لا يُعَبِّرُ عَنْها المَقالُ ولا يَشْرَحُها الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْها فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.

المَطْلُوبُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ:

التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِطَلَبِ ما هو الكَمالُ الذّاتِيُّ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو طَلَبُ الحُكْمِ الَّذِي هو العِلْمُ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْدَهُ كِمالاتِ الدُّنْيا وبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ كِمالاتِ الآخِرَةِ، فَأمّا كِمالاتُ الدُّنْيا فَبَعْضُها داخِلِيَّةٌ وبَعْضُها خارِجِيَّةٌ، أمّا الدّاخِلِيَّةُ: فَهي الخَلْقُ الظّاهِرُ والخَلْقُ الباطِنُ والخَلْقُ الظّاهِرُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والخَلْقُ الباطِنُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً، فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو الخَلْقُ الظّاهِرُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الخَلْقُ الباطِنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وأمّا الخارِجِيَّةُ: فَهي المالُ والجاهُ، والمالُ أشَدُّ جُسْمانِيَّةً والجاهُ أشَدُّ رُوحانِيَّةً فَتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمْرَ الجُسْمانِيَّ وهو المالُ وطَلَبَ الأمْرَ الرُّوحانِيَّ وهو الجاهُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وقَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾[الصافات: